شجون تربوية .. ذكريات حلوة و أخرى مُرّة !

شجون تربوية .. ذكريات حلوة و أخرى مُرّة !

شجون تربوية .. ذكريات حلوة و أخرى مُرّة !

الحديث عن التعليم والتربية حديث ذو شجون ، فالتعليم مجال حيوي يهم الأفراد على اختلاف أعمارهم وطبقاتهم وأحوالهم ، فالأطفال منذ ابتداء إدراكهم يلحقون بالمدارس لكي يزودوا بأساسيات المعارف و ليندمجوا في بيئة اجتماعية تلبي تطلعاتهم ، وبعد ربع قرن من التدرج في مراحل التعليم التقليدي والنظامي متعلماً خلالها ومعلماً في أحايين يسيرة وبعد التنقل بين منظومات تربوية متنوعة بودي أن أشارك القراء ببعض هذه الشجون وأنثر لهم هذه الذكريات رجاء تقويم مسيرة وتصحيح وجهة .

أذكر تلك السنين الخوالي بل الأيام المنصرمة ، فأذكر الكُتّاب الذي درست فيه القاعدة البغدادية وبفضلها غدوت قارئاً كاتباً قبل أن أدلف إلى المدرسة ! و صرت لا أعبأ ببعبع الإملاء وإنما أشكّل الكلمات وأدفعها بثقة إلى معلم الإنشاء ! أتذكر ذلك فأدعو بالرحمة على من فتق ألسنتنا بتهجي أشرف حرف إنه الشيخ سلطان البرماوي رحمه الله خريج دار الحديث .

أتذكر معاهد الصبا فأتذكر أنغاماً مطربة تهدهد الروح وتطرب الفؤاد ، تنثال الذكريات العطرة عن وكيل مدرسة (نافع بن سليمان العبدي رضي الله عنه ) وهو الأستاذ/ عبدالعزيز ولا أعلم بقية الاسم وإنما أذكره فأذكر الرأفة و أهازيج الألعاب الشعبية و قطع البسكويت الشهية والعصيرات المنعشة ! وأطفالاً أتوا من أحياء متعددة تحف ببساتين النخيل الشامخة ، تتقافز البهجة على محياهم و تشرق وجوههم براءة وأنساً وشغفاً بالحياة ، أذكر تلك المدرسة التي تتكئ بحنان على وادي قناة بسفح جبل أحد فأذكر بعضاً من أنبل رجال التربية ، وأناساً أهدوا الحياة إلى الحياة ! يتوسط ذلكم العقد الوضيء الأستاذ عبدالرحمن السيد معلم اللغة العربية و رائد فصلنا في إحدى السنوات حيث أعاننا على إنشاء مكتبة للفصل تتضمن الكتب النافعة و المجلات الماتعة ، هذا النبيل من نوع من البشر لا يعرف إلا النبل ودماثة الخلق وطيب المعشر والإحسان مع تلامذته الصغار، كان يعامل الأطفال كرجال فيغرس في نفوسهم الثقة و يزرع في قلوبهم الأمل والطموح ، يخرج بطلابه من ضيق الفصول إلى رحبة المدرسة حيث الأشجار و تغريدات الطيور و نسيم الصباح فيفيض علينا علماً ولطفاً وأنساً .. يتناقش مع الطلبة في قضايا مجتمعية بأريحية وحكمة فيحسّ الطلاب أن بإمكانهم الحديث والتفكير وأن جماجمهم الصغيرة ليست صناديق معدة لتلقي المعلومات التي يرشقهم بها بعض المعلمين. سقى الله عهدك يا أستاذنا الجليل .. كنت غيمة جادت علينا بالحياة ، و شجرة وارفة الظلال و لحناً حلواً تستعيده ذاكرتنا فتطرب قلوبنا ! لا تفي الأسطر بذكر فضائلك وإنما هي لمحة و لعل الله أن يجزيك جزاء المخلصين.

وبعد : فهذه مجموعة مقالات تتناول الشأن بل الشجن التربوي .. أتساءل فيها مع القراء الكرام عن الحلول لبعض مشكلات التعليم وأساليب التربية ، وأذكر طَرفاَ مما مررت به ولعلها غرائب يدهش لها الجيل الجديد : الفَلَكة وما أدراك ماهي الفَلَكة ! بشتى أنواعها من نوع الخشبة المبرومة التي يعانقها حبل مفتول ، والشماغ الأحمر الذي يستحيل في لحظات إلى مشنقة للرجلين تجعل الجسد يتراقص واللسان يلعلع ! وأم ليزا وهي خيزرانه يدلعها بهذا الاسم الأستاذ أحمد ! وتوأمها التي يسميها ( الباكورة ) ! و الحذاء ( الشرقي ) الذي يرسله مدرس الرياضيات بالصف الخامس إلى مؤخرة الصف فينطلق كصاروخ أرض أرض ! وواجب مادة العلوم ! أتدرون إلى أي درجة من الصعوبة تبلغها بعض التكليفات المدرسية التي نكلف بها ونحن في الصف الخامس أو السادس الابتدائي ؟! كلفنا مرة بأن نحضر حشرة لعرضها في الفصل إبان دراسة موضوع الحشرات .. وأذكر أنني اصطدت (أم اربع وأربعين) الحشرة الصفراء السامة المفزعه ذات الأرجل الكثيرة ، ولا أدري أماتت في الكيس أم بها بقية حياة حين أتيت بها إلى المدرسة ، وليت العمدة ساتي - صاحب المركاز - علمنا صيد العقارب مبكراً حتى ننجو من مخاطر اصطياد الحشرات السامة ، فقد علمنا العمدة أن بإمكاننا أن نأخذ العقرب على أيدينا بدون أن تلسعنا ! وذلك بقطع إبرتها ! وفعلاً جربنا هذه المغامرة على عقارب كانت مستكنّة تحت تبن بجوار إحدى البساتين ! وحينها فهمنا بالعيان معنى المثل القائل : (عقربة تحت تبن) !

في السطور القادمة سأتحدث عن دكاترة الجهل و عن أستاذ النحو بالثانوي الذي قلنا له : لِمَ لم تتحصل على الدكتوراه ؟ فأجاب بمقولة العقاد : و أين هي اللجنة التي تناقشني ؟! سأستعيد ذكرى بعض معلمي صبيان لهم وعي العلماء و بعض أساتذة جامعة لهم نزق الغوغاء ، حديث عن الألقاب و الدرجات العلمية التي يصدق على بعض حملتها مقولة الشاعر: لقد هزلت حتى بدا منها كُلاها وحتى سامها كل مفلس ! حديث عن الكُتّاب والمدرسة والجامعة والدرس التقليدي ، عن رُهاب درجات التقييم ورعب الاختبارات ولسعة العلقات وشجون شتى من واقع عشناه لا أدري ماذا بقي منه في ايامنا هذه.

الأكثر قراءة