ضوء قنديل

ضوء قنديل

ضوء قنديل

وانطفأت قناديلنا المتدلّية، أعلنَت بذلك ألا حاجة لنا بالضياء معها. تلك التي كانت تسابق لمح أبصارنا، حتى تقع معها على أول صورة سيحتفظ فيها الذهن. لم نكن نعلم أينا سيسبق الآخر، السعادة التي تحفّنا حين تتفق رؤية هذه الصورة كانت هي الحاجة التي تُشبعنا ونسعى لأجلها. ما كان بمفهومنا يوماً إمكانية أن نعيش بدونها، يا لسذاجة التعلّق ، والتقصير من ناحية أخرى في إيضاح المفهوم أمام من تسكنهم ظُلمة . هل قلتُ ظلمة؟ ليست كذلك تماماً، وإنما عتمة أو سمّها إن شئت كل ما سكن النفس واشتاق إلى نور.
لن تمضي الأيام هذه على قانونٍ نعقله جميعاً، سيحاصر بعضنا الشك، وبعضنا ستوافيه الحكمة، أما بعضنا الآخر فسوف يسكنه الجنون. لذلك كن مؤمناً قبل ذلك بأن تلك القناديل ستشتعل يوماً وستنطفئ أياماً. سيخدعكَ بريقها ربما كي تظنّ بها خلوداً أو طول عُمر. لكنها في الحقيقة بعد انطفائها سوف تمدّ لها ظلاً بجوارك كي تتكئ تحت نورٍ تظنّ هي الأخرى بأنه سينبعث منك. هي لا تعلم بأنك تفتقدها، وأنت لن تعلم بأنها تحتاجك ! فكيف يتقاسم اثنان حياةً بين حاجة وفقد؟
بعد محاولاتٍ منها وتجاربٍ منك، سيعجز كلاكما عن الوصول. كان لابد أن يتمّ هذا الأمر كي يتجاوز النور حدوداً أخرى. فهذه القناديل لايمكنها أن تضيئنا جميعاً في آن واحد، كما لايمكنها أن تتركنا يتامى ، دون ضوء .
بمثل ذلك يولدُ فكرنا، الذي يحتاج أثناء نموه إلى بيئةٍ تتكفل بالبناء، ثم إذا تمّ النمو انتهى الدَور، وأقبلت إليك الحياة تستفزّ سلوكك، وتمتحن ضوء القناديل فيك.
ولعل أول طريقٍ ستمضيه هو طريقكَ لأن تختار، أن تختار المضيّ قُدماً مع تجاهل الظلام حولك، أو تختار البقاء محلّك بانتظار أمل عودة قنديلٍ يعينك. نعم قد يطول انتظارك، وقد يطول سَيرك أيضاً! لكن حرية الاختيار ستعيش بداخلك رفيقة درب. تبعث مع أنفاسكَ كل صباح رغبة ألا تموت حريةً كهذه ، بأي ثمن .
جرّب أن تستمع للشمس لا أن تراها، جرّب أن تشاهد الآيات التي تتلى لا أن تستمع إليها، ثم جرب أن تشتمّ رائحة الرضا وتتذوق الأمان . سوف ترى يوماً بعد يوم وفي كل زاويةٍ تمارس فيها سلوكاً مختلفاً لحواسك أن هناك قنديلاً باسماً يطلّ عليك من ورائها ، لقد نسيتَ ملامحه ، ونسيتَ موعده ووعده .
لا تنسَ أن تغضب وتحزن وترفض دون تأجيل ، وابتعد عن الآخرين ممن يمنعونك عن القيام بذلك، هذه المشاعر ستنمو بداخلك إن دفعتها بقوة كي تمنعها، أطلقها بعلمك وبكامل قدراتك، ثم تشبّث بأقرب قنديل يضيء في جوفك كي تُعيد توازنك وتنهض من جديد.

الأكثر قراءة