وهل نخون أنفُسنا ؟!
وهل نخون أنفُسنا ؟!
الطفولة ليست مرحلة ننتهي منها لننتقل إلى مرحلة أُخرى بل هيّ مُقدمة لكُل ما سوف يليها من مراحل وما يتكوّن لدينا في طفولتنا من انطباعات حين تكون خلفيتنا عن العالم فارغة و طريّة , يبقى لها شكلها الأول لا يزول ولا يتبدل ...
وهذا ما يُسبب عقبة لدى البعض أحياناً يمنعهم من تجاوز مواقف دفينة تكوّنت لديهم تجاه أشخاص أو أشياء ... وهو ما أكده الكاتب الروسي ليف تولستوي حين قال بأن الطفل يستقي من الوسط المحيط به منذ ولادته وحتى سن الخامسة، أكثر لعقله ومشاعره وإرادته وطباعه مما يستقيه منذ الخامسة وحتى نهاية عمره.
وهذا ايضاَ ما كنت اُؤمن به وأعتقده حتى قرأت سيرة الجاسوسة المصرية "هبة سليم" ومن بين عشرات الخونة الذين ضمْ كتاب سيرهم وحدها من هزّت خيانتها المُفرطة شيء ما في أعماقي ..وكيف لا تكون كذلك ! وهي من تحالفت مع العدو الأكبر "إسرائيل" ذاك التنين الذي تشرّبنا عداءة منذ سنواتنا الأولى حتى فاض بنا .. وفضنا نحنُ به.
في سيرتها لم تكن هبه من أولئك الذين يتعطشون للحياة الرغيدة وتنكمش قاماتهم أمام مفاتن الحياة ومباهجها إلى حد أن يتنازلوا عن أوطانهم..(ولا يهُم إن كان التنازل شيئاً فشيئاً أو دفعةَ واحدة) .. في سبيل أن يظفروا بحياة يحلمون بها.
تقول "هبه سليم" في مذكراتها (قابلتني مسز مائير ببشاشة ورقة وقدمتني إليهم قائلة : إن هذه الآنسة قدمت لإسرائيل خدمات أكثر مما قدمتم جميعاً مجتمعين).
بعدما أنهيت ما كُتب عنها كُنت في أتماهى في لُجّة من الأسئلة المتناسلة والدهشة لأني لمْ أجد في سيرتها من سبب يبرر لها هذه الخيانة المفرطة أيُعقل..! أن ينسلخ من الإنسان إنسانً مُختلف .. ويتنازل عن نفسه لأجل لاشيء.. أو لدوافع لا نتفهمها تبقى لاشيء أيضاً .. .. ويخون نفسه قبل أن يخون أيّ شيء آخر في الحياة .