Author

الرياض الملهمة تصنع الحدث

|

قد يكون البعض ممن يعرف برج إيفل الذي أصبح اليوم رمزا لفرنسا، يدرك أن كبار المهندسين العاملين في شركة جوستاف إيفل هم من صمموه ليبلغ ارتفاعه 324 مترا، كأطول هيكل من صنع الإنسان في العالم، وتصميما ثوريا ورمزا من رموز الحضارة الإنسانية وشهادة عبر التاريخ على براعة الإنسان وقوته، ولكن من صممه في ذلك الوقت لم يكن يظن أنه سيعيش حتى اليوم، ويظهر في عديد من الأعمال الفنية والأدبية والسينمائية، ويعزز مكانته كمعلم عالمي مبدع، بل أعجوبة من عجائب العالم، سيزوره ملايين من السياح سنويا.
قلة من الناس تعرف بأن هذا الإنجاز التاريخي الفريد، لم يكن سوى تحفة فنية من ضمن معرض إكسبو باريس 1889. لم يكن برج إيفل المنتج الوحيد لمعرض إكسبو الدولي، فقد كان قصر الكريستال في لندن والمصنوع من الحديد أيضا مع ألواح الزجاج، أحد النماذج التاريخية المثيرة للجدل حتى اليوم، فقد تم إنشاؤه في حديقة الهايد بارك التي أصبحت بفضله معلما بارزا في لندن، وليس من الصعوبة أن تكتشف بأن هذا القصر قد تم بناؤه لمعرض إكسبو أيضا، فلقد كانت المعارض الدولية تعكس بشكل واضح فلسفة وروح الحضارة في الوقت الذي تبنى فيه، وذلك منذ المعرض الأول في لندن 1851، وكانت الدول الكبرى حينها تشارك لإبراز مقدرتها العملية والبشرية وطاقتها الهائلة وابتكاراتها، ففي النسخة الثانية للمعرض منح الإمبراطور نابليون الثالث وسام جوقة الشرف الفرنسي إلى تشارلز جوديير عن ابتكاره في استخدام المطاط الذي نقل الصناعة في فرنسا إلى مستويات تاريخية في الملابس والأحذية والقبعات والعوامات والمظلات وإطارات السيارات.
هذا النجاح الواسع اقتصاديا وسياحيا وتنظيميا والتأثير العميق جعل دول العالم تتسابق من أجل المشاركة في هذه المعارض وعرض إنجازاتها وثقافة شعوبها، فقد علم الجميع أن هذه المعارض تؤدي دورا مهما في تشكيل الثقافة والتكنولوجيا والتجارة العالمية، وأن تأثير هذا الحدث في أي دولة يمتد قرونا، وتدور فكرة كل معرض إكسبو دولي حول موضوع رئيس، الذي يمكن أن يراوح من التكنولوجيا والابتكار إلى الثقافة والاستدامة، وتبني وتؤسس الدول المشاركة أجنحة متقنة لعرض إنجازاتها بما يتماشى مع الموضوع. وتعمل هذه الأجنحة كمنصات للتبادل الثقافي والدبلوماسية، وتعزيز التعاون والتفاهم الدوليين، ولقد تركت معارض إكسبو بصمة لا تمحى في التاريخ بسبب حجمها وتأثيرها، ولا يزال المعرض الكولومبي العالمي لعام 1893 في شيكاغو من بين تلك البصمات عميقة التأثير عندما تم عرض عجائب الكهرباء.
وهكذا كانت وما زالت معارض إكسبو ملهمة ومحفزة وصانعة للحدث، والدول التي تفوز بالمعرض، تحقق مكانة دولية بارزة بمجرد فوزها، ولذلك تتنافس الدول على ذلك، وتقدم الدولة الراغبة في تنظيم معرض إكسبو خطاب الترشيح إلى المكتب الدولي للمعارض مع تحديد الموضوع المقترح والمدينة وزمن ومدة المعرض والوضع القانوني للمنظمين، وفي نهاية مرحلة الترشيح التي تبلغ ستة أشهر، يغلق المكتب الدولي للمعارض قائمة الترشيحات، لتبدأ مرحلة فحص المشروع من خلال بعثات التحقيق الخاصة بالمكتب الدولي لتقييم جدوى مشروع المعرض وقدرته على الاستمرار، والمناخ السياسي والاجتماعي للدولة والمدينة المرشحة ودعم الأطراف ذات الصلة (الحكومة والسلطات المحلية والمواطنين) للمشروع. ويتم تقييم الموضوع المقترح للمعرض والنتائج المتوقعة للمعرض ومستوى الدعم للمعرض بين المواطنين ومجموعات المصالح الخاصة والمجموعات السياسية والشركات، والسلطة التشريعية والتنظيمية والإجراءات التشغيلية والمالية التي اتخذتها السلطات المعنية، واستراتيجية الاتصالات للترويج للمعرض. وكذلك موقع المعرض المقترح والمخطط والأجنحة والبرمجة، ومرافق الإقامة المخططة للزوار والموظفين وخطة الجدوى بما في ذلك ميزانية التكلفة التقديرية للمشاركة، ويتم تجميع نتائج بعثات الاستفسار في تقرير تتم مراجعته من قبل اللجنة التنفيذية للمكتب الدولي للمعارض، التي ترسل المشاريع التي تجدها قابلة للتطبيق إلى الجمعية العامة، من أجل التصويت النهائي عن طريق الاقتراع السري على أساس مبدأ صوت واحد لكل دولة في الجمعية العامة. فالنجاح في الفوز بـ"إكسبو" ليس حدثا عاديا، وليس مجهودا فرديا، بل هو حدث تاريخي، يتم الإعداد له بجهود كبيرة، وعمل احترافي دقيق، فالمعارض الدولية لها سمعة كبيرة وخريطة عريضة، وتأثير اقتصادي هائل، والمنافسة عليها ليست قضية عابرة، والدول التي تتنافس تدرك معنى عدم الفوز.
وبالأمس تم إعلان فوز السعودية كدولة مضيفة لمعرض إكسبو الدولي 2030 خلال الجمعية العامة الـ173 للمنظمة، وصوتت أغلبية ساحقة تجاوزت ثلثي الدول الأعضاء لمصلحة مشروع المملكة العربية السعودية لاستضافة معرض إكسبو العالمي 2030، تحت شعار "حقبة التغيير: معا نستشرف المستقبل"، في الفترة من 1 أكتوبر 2030 إلى 31 مارس 2031. وكانت كوريا (بوسان) تحت شعار "تحويل عالمنا، والانتقال نحو مستقبل أفضل" وإيطاليا (روما) تحت شعار "الشعوب والأقاليم: التجديد والشمول والابتكار"، تنافس المملكة على هذا المعرض، هكذا أكدت أكثر من ثلثي الدول في العالم على ثقتها الكبيرة بها، وأظهرت بذلك رغبة عشرات الملايين من شعوب العالم في زيارة المملكة، وحماس الدول لبناء أجنحة استثنائية، ولم يكن أحد يتصور حدوث مثل هذا التحول الواسع في رغبة شعوب العالم لزيارة المملكة والمشاركة بأجنحة عالمية تمثل تصوراتها وطموحاتها، وترفع الشعار الذي رفعته المملكة "حقبة التغيير: معا نستشرف المستقبل"، ولولا تلك الجهود الكبير التي قادها الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في التحول التاريخي العظيم والمدهش في فترة وجيزة جدا، لما حدث هذا الإنجاز الضخم. وقال ولي العهد بهذه المناسبة: إن هذا الفوز يرسخ دور المملكة الريادي والمحوري والثقة الدولية التي تحظى بها، وسيكون المعرض فرصة رائعة لمشاركة العالم الدروس المستفادة من رحلة التحول غير المسبوقة، وسيعكس ما تقدمه المملكة اليوم من أجل المستقبل، سواء في قضايا العمل المناخي (بما تشمله من صيانة للنظم البيئية، مع قضايا تحديات المياه والطاقة النظيفة) والغد المشرق (بما يشمل حق الأجيال، تسخير التكنولوجيا للإنسانية، وتطوير المدن) وتعزيز البنية التحتية والتوسع فيها وتحقيق نتائج ذات تأثير اقتصادي عميق، سيكون موعد افتتاح معرض إكسبو الرياض 2030، مناسبة تاريخية راسخة، مع تحقيق جميع مستهدفات الرؤية، بما تشمله من برامج في مقدمتها جودة الحياة، وتحقيق مشاريع الربط اللوجستي الذي تحقق معه المملكة نموذجا عالميا فريدا يربط القارات ببعضها بعضا، ويجعل منها وجهة جاذبة لأبرز المحافل الدولية والاستثمارات الضخمة، والزيارات السياحية، وبوابة للعالم من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه.

إنشرها