Author

هل الحديث عن «الانهيار المالي» في محله؟

|

كأن أخبار الحرب الضروس في قلب أوروبا والتهديد باحتمال تحولها إلى حرب عالمية ثالثة لم يكن كافيا لبث الرعب في القلوب. طلعت علينا الصحافة الغربية هذا الأسبوع وهي تتحدث، لا بل تنذر بأن انهيارا ماليا جديدا صار قاب قوسين أو أدنى. يطلقون على الانهيار المالي بالإنجليزية مصطلح meltdown، وهو تعبير مجازي فيه تشبيه لما يحدث لأكوام الثلج بعد ارتفاع درجات الحرارة، حيث تنصهر بسرعة فائقة وتصبح أثرا بعد عين.
وإن حدث انهيار مالي في الأسواق العالمية، أي الغربية، فمعناه أن الأرصدة والأوراق المالية والديون وقيمة العقارات حتى ما اكتنزه الناس للأيام الصعبة قد يتبخر، أو يفقد كثيرا من قيمته.
وإن اهتزت الأسواق العالمية في أمريكا مثلا، فستهتز معها الأسواق في بقية أنحاء العالم. لم يكن الاقتصاد العالمي مترابطا بوشائج متينة مثل ما هو عليه اليوم، ولم يكن لدولة اليد العليا في تقرير مصير الاقتصاد العالمي مثل ما لأمريكا اليوم.
ما الذي يدفع الإعلام الغربي إلى تحويل البوصلة من الحرب في أوكرانيا والتراجيديا المحتملة لشح الطاقة في الدول الغربية الأوروبية إلى الانهيار المالي؟ وكيف، ولماذا تجتمع كل هذه المآسي دفعة واحدة وتتراكم باعثة إشارات غير حميدة، لا بل مخيفة مثل سيل الحمم المتوهجة من فوهة بركان إيذانا أن رماده القاتل مقبل لا محالة؟
لننظر إلى الوراء. وهنا لا أقصد الماضي البعيد، بل إلى فترة الأسبوعين الماضيين. أظن أن هذين الأسبوعين ربما سيدخلان التاريخ للقرارات المصيرية التي اتخذتها البنوك المركزية في الدول الغربية الصناعية الرئيسة.
تماشيا مع سياسة البنك الفيدرالي الأمريكي في تشديد القبضة على السيولة من خلال رفع غير متوقع لنسب الفائدة، اتخذت البنوك المركزية الأوروبية إجراءات مشابهة.
وفجاءة، حدث ما لم يكن في الحسبان في كثير من الدول الغربية الصناعية. وكما رأينا، هبطت قيمة الجنية الاسترليني ومعه اليورو وأغلب العملات الأوروبية الأخرى، من ضمنها الكرونة السويدية.
رفع أسعار الفائدة في الأغلب يؤدي إلى تحسن في سعر العملة. هذا لم يحدث مع العملات الأوروبية، وهنا نستثني الدولار الذي يشهد تحسنا ملحوظا في قيمته مقابل العملات الأخرى.
وتحسنت عائدات السندات، وهبطت أسعار الأسهم في البورصات العالمية، وانتابت الخشية شعوب هذه الدول، خصوصا أصحاب العقارات الذين عليهم الآن التفكير مليا بكيفية خدمة ديونهم ورهون عقاراتهم بعد الارتفاع الكبير في سعر الفائدة وتحذير البنوك المركزية، إن زيادات أخرى كبيرة في نسب الفائدة في الطريق.
حتى قبل أسبوعين، كانت المصارف والمؤسسات الحكومية تقدم النصائح للمواطنين حول أنجع السبل لتدفئة البيوت ودفع فواتير الكهرباء في الشتاء. وكان يبدو أن الوضع مسيطر عليه وأن الشتاء المقبل سيمضي بأخف الألم ودون أوجاع كبيرة.
منذ بداية هذا الأسبوع، والمصارف تراسل زبائنها ومدينيها الذين رهنوا عقاراتهم لديها، شارحة لهم ماذا تعني الطفرات الأخيرة في أسعار الفائدة، ومحذرة إياهم أن البنوك المركزية مصممة على المضي في سياسات الحد من النقد وتضييق الائتمان وأن توقع نسبة فائدة تصل إلى 6 في المائة في المستقبل القريب قد يكون أمرا لا مفر منه.
لقد أوصلت هذه السياسات "الاقتصاد إلى وضع قد لا يتذكر مثيلا له إلا الذين لا تقل أعمارهم عن 60 عاما"، هذا ما قاله محلل اقتصادي كبير في الولايات المتحدة في مقال مطول نشرته له وكالة "بلومبيرج" الشهيرة، التي تعنى بشؤون المال والاقتصاد.
هل إن التوقعات بانهيار مالي مقبل ليست في محلها، أو إن الباحثين وكتاب الأعمدة الاقتصادية في الصحافة الغربية يضخمون الأمور؟
قد يكون أفضل جواب بالنسبة إلي، هو "لست أدري"، بيد أن المؤشرات تدلل أن المقبل من الأيام لا يبشر بخير على أكثر من مستوى.
"لست أدري"، مقولة تنطبق على مسار أرض المعركة الحامية الوطيس في أوكرانيا التي من العسير التكهن بمآلاتها وعواقبها، وهناك أسعار الطاقة وشح المعروض وارتفاع الأسعار بصورة عامة وما تسببه من معاناة، ليس على مستوى الدول والشركات، بل على مستوى الناس العاديين.
وها نحن أمام توقعات "انهيار مالي"، بمعنى أن الناس قد تجد نفسها في وضع لا تستطيع فيه خدمة ديونها وأقساط رهن عقاراتها، هذا إن علمنا أن المصارف لا ترحم بعد ما جرى من أزمة مالية خطيرة في 2008، التي كادت تعصف ليس بالمصارف وحسب، بل بالنظام المالي الغربي برمته.
ما يمنح التوقعات حول "انهيار مالي" محتمل بعض المصداقية، هو غياب خطط مدروسة وعقلانية لكيفية التعامل مع الأزمات، والدليل الحرب في أوكرانيا التي يبدو ألا مخرج منها، وأزمة الطاقة التي يبدو ألا حل لها، وكيف نصدق الذين يمسكون بزمام الاقتصاد العالمي بأن في يدهم الحل؟ إن أخفقوا في وقف حرب مدمرة جلبت كل هذه المآسي دفعة واحدة، كيف لنا أن نصدقهم أن في يدهم الحل "السحري" لما تعانيه الأسواق المالية في العالم حاليا؟ ولست أدري.

إنشرها