Author

تنظيم الأسواق وعدالة الأسعار

|
انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي حالة واسعة من الاستشهاد بالحديث النبوي الكريم، عندما قال الناس: "يا رسول الله، غلا السعر فسعر لنا"، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال"، ولا أعرف من يروج لمثل هذا وما الحكمة من ذلك، وهل المقصد هو ترك الأسعار ترتفع دونما رقيب ولا حسيب؟
هناك عدة قواعد مهمة في الاقتصاد الإسلامي الذي طبقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ترك الأسعار دون توجيه من قبل المنظمين للأسواق، ذلك أننا نحن البشر قد نخطئ في تحديد السعر الأنسب الذي يعوض التاجر فعلا عن كل التكاليف التي تكبدها حتى تكون السلعة جاهزة للبيع، مع ما يكفيه من الربح للاستدامة، ولذلك قال رسول الله في الحديث النبوي الكريم: "وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال"، فالسوق الموجهة بالتسعير من قبل المنظمين للأسواق قد تتسبب في ظلم أحد الأطراف في العملية التجارية، وقد يقود للكساد والمجاعات مثلما حصل في دول حاولت تطبيق السعر المحدد مسبقا من قبل للجهات المنظمة للأسواق، لكن مع ذلك فإن كثيرا من الناس والجهات المنظمة تستخدم هذا الحديث في غير موضعه، ولا مكانه، فالحديث لا يعني ترك الأسواق حرة مطلقا لمبادئ العرض والطلب، بل يجب على المنظم ضمان كفاءة السوق، وكفاءة الأسواق ستضمن السعر العادل.
كفاءة السوق تعني ضمان وصول المعلومات الكاملة والكافية لكل الأطراف، وهذا من شأن تمكين الجميع من اتخاذ قرارات مستنيرة، وعندما تصل المعلومات صحيحة موثوقة وكاملة للسوق، فإن الأسعار تكون عادلة، وهنا يمكن تطبيق حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم "إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق"، فندرة الأشياء وأهميتها وتزايد الطب عليها، وما يدبره الله لخلقه، كل ذلك خارج عن سيطرة الإنسان، وعندما نحاول تقييد هذه الآليات الطبيعية التي خلقها ودبرها الله - جل شأنه - فإننا حتما نظلم طرفا من الأطراف، ولهذا قال رسول الله "وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال"، لكن عندما يحدث العكس، وتكون السوق غير كفؤة ويتم تداول المعلومات بصورة محدودة بين فئات محدودة من الناس، فإنه من الظلم ترك الأسواق تعمل بحرية، لأن ذلك يجعل الأموال دولة بين الأغنياء فقط، ويراكم رأس المال بطريقة غير صحيحة وغير عادلة ولا نزيهة، هنا لا بد أن يتدخل المنظم وتتدخل يد الدولة لرفع الظلم عن المجتمع الذي تغيب عنه المعلومات الصحيحة، ومثل هذا في الحديث الذي رواه أبو هريرة: أن رسول الله مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا، فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟" قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: "أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني". فالحديث لم يعد بيع الطعام الذي أصابه المطر بيعا باطلا، ولم يعده غشا، بل عد عدم الإفصاح عن تلك المعلومات المهمة للمشتري هو الغش، ولذا نهى الرسول عن ذلك نهيا شديدا، حيث قال - صلى الله عليه وسلم، "أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني"، فمن أخفى معلومات مهمة عن المشتري، فإن ذلك يعد من الغش، وهذا يحتاج إلى متابعة الجهات المنظمة والرقابية مستويات الإفصاح في الأسواق والشفافية عن حجم المخزونات، وعدم إخفاء أي معلومة مهمة. ومثل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما"، فلا يصح أن نقول إن الله هو المسعر، ومن الظلم تحديد الأسعار، بينما نتناسى ضرورة توفير المعلومات الصحيحة للأسواق والمشتري والبائع.
تنظيم الأسواق يؤثر في عدالة الأسعار، ولهذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الاحتكار، والأحاديث النبوية في ذلك كثيرة جدا، منها النهي عن تلقي الركبان قبل دخول الأسواق، والنهي عن النجش، وهو المزايدة على المشتري لغرض زيادة سعر البضاعة دون صدق الرغبة في الشراء، وغير ذلك كثير جدا من الأحاديث التي تنظم الأسواق وعلميات التسعير، فالتسعير المباشر ليس من الهدي النبوي، لكن من المؤكد ضرورة تنظيم الأسواق لضمان عدالة الأسعار وأنها تعكس طبيعة الوضع الاقتصادي من الندرة الطبيعية التي خلقها الله أو الندرة التي تتسبب فيها الظروف الاقتصادية المؤقتة كالحرب وتلف المحاصيل، لكن يجب أن يكون ذلك واضحا والمعلومات صحيحة وتتدفق للسوق بانتظام، وهذا هو دور المنظم والمراقب، فمن الظلم ترك الأسواق تحت عناوين براقة مثل حرية الأسواق والمنافسة، دون توفير معلومات كاملة ولا مراقبة لآليات التسعير الفعلية.
إنشرها