Author

العقار .. قواعد اللعبة ستتغير

|
العقار ليس مجرد منزل وسكن، وسعر متر. العقار قطاع اقتصادي كبير جدا، ويتفاعل بشكل مختلف مع العوامل الاقتصادية الأخرى. فالعقار هو الأرض الخام، الأرض المطورة، والمخطط من الأراضي السكنية أو الصناعية، وهو الأرض السكنية وهو الأرض الزراعية، وهو أيضا السكن في قصر، وفيلا وبيت وشقة، وهو المجمع السكني والعمارة السكنية، وهو المحل التجاري، ومكتب الأعمال في مبنى تجاري، وهو المركز التجاري وهو المحال في المركز التجاري، وقد تنتهي مساحة هذا المقال قبل أن تنتهي إحصائية المنتجات العقارية. ومع الأسف، فإن كثيرا ممن يتحدثون عن العقار واتجاهات السوق العقارية يعتمدون على مؤشرات البيع التي ترصدها وزارة العدل، وهي مؤشرات ينقصها الكثير، ولا تقدم تمثيلا صحيحا للسوق العقارية. لكن قد يختلط على البعض منا وجود ألفاظ مثل "المؤشر"، وسعر المتر، فيعتقد "خطأ" أن العقار يأخذ سلوك الأسهم، وهذا الخطأ أوقع كثيرا منا في تجربة انتظار الانهيار العقاري الذي لن يحدث، فالعقار لا ينهار كما تنهار الأسواق المالية، ولا يقوم بالتصحيحات التي تحدث فيها، الأمر مختلف تماما، واستخدام الألفاظ بالطريقة ذاتها يعد مضللا لكثير من الناس. في السوق المالية عرض وطلب نشط، والشاشات تعلن بالثانية آخر الصفقات على السهم ويعكس المؤشر العام أو الخاص اتجاهات ذلك لحظة بلحظة، فلا مكان في السوق المالية للتفاوض، ولا محل للانتظار، لكن في العقار الأمر مختلف، فالأمر محل انتظار قد يصل إلى عدة أشهر، والتفاوض أصل القرار. الدخول للعقار ليس بسهولة الدخول للأسهم والخروج كذلك، ولهذا فإن القرار الاستثماري ومعوقات الدخول والخروج مختلفة، ومن غير الممكن تحليل العقار كتحليل الأسهم.
في المقابل، فإن العقار عنصر من عناصر الإنتاج، وهذا معناه أن توقف أو انهيار القطاع العقاري يعني توقف عجلة الإنتاج ولن يحدث هذا ما لم تكن هناك أزمة اقتصادية شاملة أو سيتبع ذلك انهيار اقتصادي شامل، ولا أعتقد أن أحدا منا يريد ذلك، فالانهيار الاقتصادي الذي حدث 1933 سبقه انهيار في العقار، والأزمة المالية 2008 سبقتها تقلبات حادة في العقار خاصة قطاع المساكن، إذن المسألة ليست محل تفاؤل على كل حال. سلوك القطاع العقاري مختلف كما أشرت عن سلوك الأسهم جملة وتفصيلا، فالأسهم تمثل حصصا في الأرباح والأصول، بينما العقار خليط من المنتجات، التي تباع وتشترى بهذه الصفة، فهي سلع كالسلع الأخرى لها بدائل، والذي يحدث أنه كلما ارتفع سعر المنتج العقاري تحول الناس نحو منتج عقاري آخر، ومع هذا التحول يتغير هيكل السوق تماما، ففي زمن كانت الدولة توفر الأرض والقرض كانت المنتجات العقارية مثل الفلل والشقق السكنية بعيدة كل البعد عن السوق وقد يتم التنافس قليلا على القطع التجارية منها، فلا أحد يفكر في شراء فيلا أو شقة سكنية، بل كانت الأمور محصورة في الاستئجار فقط، في انتظار المنحة والقرض، لكن عندما تغير الاتجاه، بدخول المطور العقاري وبيع الأراضي المطورة بدلا من المنح، تغيرت الاتجاهات كثيرا، وأصبح البيع والشراء في الأراضي العقارية المطورة سوقا رائجة جدا، ودخل مفهوم المضاربات العقارية، فالفوز بأرض في مخطط مطور غير تملك الأرض في مخطط غير مطور، ومع تزايد المضاربات دخلت البنوك في الصورة بمنتجات تمويلية أذكت نار المضاربات وارتفعت الأسعار بشكل متزايد من عام لعام، وبالطبع تزايدت الأسعار عندما تناقصت المنح وتزايدت الأراضي المطورة، ومع ارتفاع الأسعار فقدت شرائح عديدة من المجتمع فرصة الشراء، وأصبحت القدرة على تصريف أرض كبيرة تتضاءل تدريجيا، هنا تباطأت السوق مع تراجع الصفقات العقارية، ما جعل البعض يعتقد خطأ أن السوق تقوم بالتصحيح "كما في سوق الأسهم" وينهار العقار، لكن ذلك لم يحدث، بل تم تغيير قواعد السوق مع دخول منتجات جديدة حيث تمت تجزئة الأراضي وتقسيمها إلى النصف "الأراضي التي كانت عند مساحات 900 أصبحت 450" وقبل المجتمع هذه المنتجات وصدرت تشريعات لها، لتعود السوق للعمل، ثم ارتفعت الأسعار مرة أخرى بوتيرة أعلى من السابق وأصبحت المساحات المعروضة خارج القدرة الشرائية فتمت أيضا تجزئة الأرض، كما أصبحت المخططات الجديدة المطورة بمساحات أرض أقل تدريجيا مع استغلال للمساحات بدلا من الطرق العريضة، وأيضا عادت الأسعار للارتفاع وعاد شبح الركود، في هذه المرحلة ظهرت منتجات الفلل الجاهزة مع دخول البنوك كممول، ثم دخول الحكومة كمشرع وداعم، لكن سرعان ما ارتفعت الأسعار استجابة لذلك، لتبدأ منتجات الشقق والفلل الصغيرة بالظهور، والأسعار عادت للارتفاع من جديد. ما أود قوله هنا، إن سلوك العقار يعتمد على المنتجات العقارية وتوافرها وقبول المجتمع لها، لكن من اللافت السرعة التي تم بها كل هذا، فالاتجاه الذي سلكته السوق العقارية ومر في بضعة أعوام كان يمر على الدول الأخرى في عقود، والسبب أننا استخدمنا في أعوام معدودة كل رصيدنا من المنتجات في سباق محموم لا تبرير اقتصادي له، وكان الأولى ترك السوق العقارية دون دعم ولا قفزات في التمويل ولا تغيرات في اتجاهاتها بهذه السرعة، ذلك أنه كلما واجهت السوق العقارية مشكلة التباطؤ كانت الأصوات تتعالى بالدعم، وهذا سرع من آليات تقسيم المنتجات وتصغير حجمها وزيادة نار الأسعار، والآن يبدو لي أننا استنزفنا كل الآليات الداعمة، وعدنا للمربع الأول تماما، فالأسعار أصبحت خارج القوة الشرائية والسوق حتما ستعود للتباطؤ، خاصة مع ارتفاع أسعار الفائدة، لكن إلى متى؟ المسألة الآن بيد القوة الشرائية وليست بيد العقاريين، قواعد اللعبة ستتغير، ليس معنى هذا أن الأسعار ستتراجع، لكنها لن ترتفع أكثر، على الأقل في المدى المتوسط، التحول من منتجات التملك إلى منتجات الإيجار قد يكون حلا واقعيا للمشكلة، لكن هذا قرار المستهلك لا المنتجين، عقود إيجار مع وعد بالتمليك دون ضمانات رهن الراتب قد تكون منتجات جديدة، لكنها مسألة تشريع وليست منتجات، السوق خرجت من يد المطورين كما أظن، أو بدأت بذلك.
إنشرها