Author

استدامة الموارد المالية للمؤسسات الاجتماعية

|

الحقيقة أن بلوغ التبرعات عن طريق منصة إحسان أكثر من ملياري ريال، حدث مهم يدل على أن هناك تحولا في المجتمع من عملية التبرع بشكل مباشر لمجموعة قد يكون بعضها محتالا أو غير محتاج أو ينتمي إلى تنظيمات تمارس أعمالا غير مشروعة أو تمثل خطرا على المجتمع، أو على أقل تقدير منح هذه الأموال إلى غير مستحق في الأغلب وحرمان المستحق منها، إلى هذه المنصة التي أتت لتقطع الطريق على الأساليب غير المشروعة لطلب الصدقة والإعانة لتكون هذه الإعانات فعليا تذهب إلى المستحق، ويظهر أثرها - بإذن الله - في المجتمع، حيث رأينا فرحة الأسر الأشد حاجة بعد حصولها على سكن من خلال منصة جود الإسكان، كما أن كثيرا من الحالات تم الإفراج عنها بسبب مديونيات بعدما تبرع الناس لها، وحجم فرحة الأبناء بالتأكيد لا توصف بعد أن حرموا من العيش يوميا مع والدهم، كما أن الحالات التي كانت تحتاج إلى عمليات جراحية مكلفة من أجل أن تعود - بإذن الله - إلى ظروفها الطبيعية أصبحت تجد بعد الله المعين لها من خلال التبرع والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة لضمان تنفيذها.
قد يرى البعض أن التبرعات موسمية وأن التركيز ينبغي أن يكون على المواسم الفاضلة والزخم للإعلان فيها كبير بسبب أن الناس في هذا الوقت أكثر حرصا على الصدقة ودفع الزكاة في الشهر الفضيل، وهذا صحيح لكن ليس على إطلاقه، حيث إن دوافع الإنسان للتبرع تختلف بحسب الحالة ففي الوقت الذي يميل الناس عامة إلى التبرع في الأوقات الفاضلة لتحصيل أعلى درجات الثواب، يكون الإنسان أكثر تعاطفا مع الحالات التي تحتاج إلى إعانة عاجلة دون النظر إلى الزمان، فلو أن شخصا وجد رجلا جائعا فلن ينتظر رمضان ليطعمه، لكن الأكيد في الحالات العامة سيختار رمضان لتخصيص جزء من ماله للمحتاجين. كما أن صور التبرع والإحسان لا تقتصر على المال بل يمكن أن تكون بطرق وخيارات متعددة.
ولذلك من المهم العمل على الابتكار في تنمية الموارد المالية والتنوع في طرق مساعدة المحتاجين بحيث لا يقتصر الأمر على أن تقدم المنصة خدمة واحدة أو على الأقل أن تكون هناك مبادرات تجعل موارد المؤسسات الخيرية والاجتماعية أكثر استدامة، وذلك من خلال الابتكار الذي يمكن أن يجعل من الموارد سواء المالية أو الاحتياجات أكثر استدامة.
قد يكون الأمر ليس بتلك السهولة وهنا يأتي التحدي الذي يجعل مثل هذا العمل أكثر أثرا في المجتمع ويؤدي رسالة مستدامة وليست موسمية، لذلك من المهم ألا ينظر إلى مسألة الموارد المالية أن تكون دائما من خلال التبرع المباشر بل يمكن أن تكون هناك مبادرات من خلال التدوير مثلا، الذي يمكن أن يكون مصدر موارد وتلبية احتياج بصورة كبيرة، إضافة إلى أنه يعزز من حماية البيئة من خلال إتلاف أقل لكثير من الأشياء التي يمكن الاستفادة منها جزئيا أو كليا، كما أن التبرع لا يقتصر على المال فقط، بل يمكن أن يكون المجهود مصدرا للتبرع، فلو افترضنا أن جهة ما من القطاع الخاص تحتاج إلى مجموعة من القوى العاملة لأداء مهام معينة موسمية، فمن الممكن التنسيق مع جهة خيرية لتوفير متبرعين للعمل بمقابل يدفع للمؤسسة الخيرية، أو يكون بهدف تملك شخص مسكنا أو لإجراء عملية جراحية أو المحتاجين للتبرع في "فرجت"، وقد يتم تحديد الشخص الذي يتم التبرع له من خلال مجموعة المتطوعين أنفسهم وهذا الإجراء قد يحقق أهدافا متعددة، منها تمكين من لا يملك كثيرا من المال من التبرع بصورة مباشرة من خلال مجهوده، وأن يكون ذلك ضمن العمل التطوعي الذي يسعى إليه كثيرون، وهو يحقق جزءا من مبادرة رؤية المملكة 2030 فيما يتعلق بالتطوع، كما أنه يبني مهارات جيدة للقوى العاملة الوطنية فيما يتعلق بالتواصل والتهيئة لسوق العمل، ويعد وسيلة للشركات في استقطاب المهارات من خلال ممارسات وتجارب وخبرات يمكن أن يبدأ المواطن بناءها مبكرا. كما أنها تشجع الفرد على العطاء بصورة متنوعة.
الخلاصة، إن تحقيق أكثر من ملياري ريال من خلال التبرع عبر منصة إحسان يعد إنجازا كبيرا لهذا المجتمع المعطاء من القيادة التي بادرت بعطاء كبير إلى جميع أفراده الذين تبرعوا بقدر استطاعتهم، ولاستدامة الموارد المالية للمحتاجين والجهات الخيرية والاجتماعية، لا بد أن يكون هناك عمل على ابتكار الخيارات التي يمكن العمل عليها لاستدامة الموارد طوال العام، وألا يكون التبرع موسميا.

إنشرها