Author

الصدقة البسيطة كمفهوم اقتصادي معطل يحتاج إلى مبادرات

|

الخير في هذه الأمة سيبقى حتى يوم القيامة، "إن قامت على أحدكم القيامة، وفي يده فسيلة فليغرسها"، والحديث هنا ليس من أجل الأمل بطول البقاء فقد قامت القيامة، ولكنه مفهوم العمل الصالح الذي يؤجر عليه ويزيد من حسناته، فالعمل الصالح، والصدقة، والزكاة، والأوقاف، ستستمر حتى اللحظات الأخيرة من هذه الدنيا، كما أنها تعد مفاهيم أساسية في الاقتصاد الإسلامي، وهو اقتصاد قائم على الخير والتعاون والبر والتقوى، وليس قائما على نظرية البقاء للأصلح، التي أتى بها هربرت سبنسر، وحرر بها ضمير البشرية من الالتزام نحو الفقراء ودعم الإنسانية، وليست قائمة أيضا على مفاهيم الديالكتيك التي أتى بها لينين ليجعل الصراع بين الفقراء والأغنياء سيدا للموقف.

والمتعمق في مفهوم الصدقة عموما يجد أنها تعالج مشكلة شح النفس الإنسانية التي أتت بالاحتكار ومنع الأموال من أن تأخذ دورتها الكاملة في أوردة الاقتصاد، لتبرز كل أنواع المشكلات الاقتصادية من البطالة وقلة الإنتاج أو ضعفه أو ضعف جودته، ثم الغلاء والفقر وتضخم الثروات وعدم المساواة، فالشح هو الذي تسبب في الفقر وليس ضعف الفقراء، لذلك فإن دفع الزكاة هو إعادة الأموال للفقراء، لأنه نصيبهم وحقهم من تلك الأموال التي لو ضخت في الاقتصاد لأنتجت لهم وظائف وغذاء كافيا، فالزكاة حق وليست منة، من يمنعها يستحق العقاب، لأنه السبب أولا، كما أنه يمثل تهديدا خطيرا على الأمن الاقتصادي والكلي.

لكن القضية الاقتصادية كما تفهم في السياق الإسلامي لا تعالج مسألة الفقر فقط، بل التنمية بشتى أشكالها فالتنمية تتأثر بالشح أيضا، وهنا يدخل مفهوم الأوقاف كأحد مفاهيم العمل الصالح والصدقة، وهناك نقاشات كبيرة حول الأوقاف، وما يمكنها القيام به، لكن العمل الصالح والصدقة لا يقفان عند مفهوم الأوقاف ومفهوم الزكاة فقط، بل يتعديانهما إلى المساهمة في كل أمر منتهاه الخير والصلاح للمجتمع، كما أن الصدقة قد تكون بالمساهمات الصغيرة جدا مهما كان منتهى صغرها، وفي هذا المقال مبادرات لو تبنتها الوزارات ذات الصلة، فإن كثيرا منا سيجد فرصة للعمل الصالح بعيدا عن القيود التي كبلت هذا المفهوم الإسلامي الضخم.

المساجد مثلا من أكثر الموضوعات التي يرغب المجتمع المسلم في المساهمة فيها، لكن حتى الآن انحصرت المساهمات في البناء فقط، بينما الدولة رعاها الله تقوم بكل ما يتعلق بالمسجد من هذا الجانب، إذا كان مسجلا لدى وزارة الشؤون الإسلامية، وفي المملكة أكثر من 88 ألف مسجد وجامع ومصلى للعيد، وهذا العدد الضخم يحتاج إلى عناية كبيرة وتدفقات نقدية منتظمة، فهناك فواتير الكهرباء والمياه وهناك الصيانة الدورية، ورغم أن الدولة رعاها الله تتكفل بكل ذلك، لكن هناك فرصة للمشاركة المجتمعية وهناك فرصة للعمل الصالح الذي يرغبه الناس من أجل تحقيق مفهوم الصدقة ولو كانت صغيرة، فلماذا لا يتم فتح المشاركة للمجتمع لتغطية هذه النفقات. مشاركة تسمح لنا بدفع فواتير المسجد مباشرة لفترة زمنية.

وهذا لا يسهم في دعم العناية بالمساجد فقط، بل إنه يحقق للناس الكثير من جانب الصدقة على أنفسهم وعلى الأموات، فنحن نجد الجميع يتسابق نحو توفير المياه المعبأة وتركها في ساحة المسجد صدقة، وهناك من يوفر خزان مياه في طريق بري، وكل ذلك صدقة عن أب أو أم أو قريب، وهناك من أهل الخير الأفذاذ في هذا المجتمع من يقوم بذلك ويسهر عليه رغم المشاق الكبرى، ومع ذلك يبقى البعض منا يريد أن يقدم للأب أو للأم صدقة عبر منظومة سهلة تساعده فيتحقق له بر الأحباب ويقدم للمجتمع خدمة جليلة وفي الوقت نفسه يمنع عنه المشقة، والأمر سهل لو تم ذلك من خلال منصات يتم حوكمتها بشكل صحيح ومناسب، بحيث يتم فيها اختيار المسجد ونوع الفواتير الشهرية، وطريقة الدفع التي يمكن أن تكون بضم هذا المبلغ للفواتير الشخصية، وهذه مجرد أفكار لو تمت دراستها، فإن الأفكار الصحيحة ستتبلور بشكل أفضل.

فكثير منا يرغب في تخصيص جزء من دخله الشهري ولو كان بسيطا من خلال منظومة فواتيره المعتادة يخصصها للعمل الصالح له أو لمن يحب، فلا تكون مرهقة في قيمتها فتمنعه ضخامة الفواتير، وليست ذات إجراءات معقدة فتمنعه انشغالاته، بل يستطيع إدخالها ضمن فواتير الاتصالات أو المياه أو الكهرباء.

وهناك تجربة ومبادرات رائعة الآن وهي مبادرة صيانة المساجد على الطرق التي تقوم عليها جمعية صيانة المساجد على الطرق، والاشتراك سهل جدا من خلال فاتورة الاتصالات بمبلغ رمزي، ومع ذلك فلقد شهدت بنفسي تحسنا كبيرا وملحوظا في كل المساجد التي شملتها عناية هذه المؤسسة، لكن رغم الجهود الجبارة، فإن التحدي كبير ومساحة العمل واسعة، والثقة بالمؤسسات الحكومية هي أكبر من غيرها ولا شك، والشاهد على ذلك هو النجاح المبهر لمنصة إحسان، التي أصبحت أيقونة للعمل الخيري وتقود القطاع غير الربحي في مسارات صحيحة اليوم، لكن الطريق لا يزال طويلا لتحقيق مفاهيم الاقتصاد الإسلامي التي تستطيع أن تحرر الاقتصاد الكلي من قيود ضخمة كبلته بها نظريات الاقتصاد الرأسمالية.

إنشرها