Author

نمو عالمي مضطرب

|
"الاقتصاد العالمي يواجه مستقبلا قاتما، مع استمرار تبعات كورونا على النمو".
ديفيد مالباس، رئيس البنك الدولي
كل الجهات قلقة على وضعية الاقتصاد العالمي بعد عام طرح الأمل في أن هذا الاقتصاد سينطلق مجددا نحو آفاق جديدة، وربما يصل إلى مستويات أفضل مما كان عليها قبل تفشي وباء كورونا المستجد. فالجميع يعلم، أن مسار الاقتصاد العالمي لم يكن براقا قبل الجائحة التي صدمت البشرية جمعاء. كان مسارا فيه من المعوقات كثير، ما وضع النمو في مستويات متدنية لفترات طويلة، وسط حروب تجارية هنا وهناك، بلغت حدة أنها اندلعت حتى بين الحلفاء التقليديين تاريخيا، بينما ارتفع مستوى ما يعرف بالحمائية، بشكل عمق هذه الحروب، فضلا عن زيادة زخم الإغراق، حتى التلاعب بالعملات الوطنية من أجل رفد التصدير بمعول مساعد آخر، إلى جانب طبعا مسائل تتعلق بالغش التجاري والملكية الفكرية وغيرها.
باختصار لم يكن وضع الاقتصاد العالمي مثاليا قبل كورونا، ولن يكون بعدها لفترة طويلة، ولا سيما في ظل الضربات الجديدة التي تلقاها من المتحور الأخير أوميكرون الذي أجبر الأسواق المتقدمة وغيرها للعودة إلى العمل ببعض القيود التي فرضت مع بداية تفشي الوباء. البعض كان يأمل - على سبيل المثال - أن تتم السيطرة على التضخم في الساحات المحلية بسرعة، إلا أن المعطيات اليومية تدل على أن هذه الآفة أوجدت نفسها لتبقى فترة لن تكون قصيرة أيضا، مع حيرة الحكومات بين الاستمرار في سياسة التيسير المالي، وتشديدها. وهذه الحيرة مفهومة لأنها آتية أساسا من التداعيات الاقتصادية الأخيرة، التي تضغط على المشرعين الساعين طبعا، للتخلص بأسرع ما يمكن من الآثار السلبية التي تركها الوباء عموما.
التقديرات التي تطلقها الجهات الدولية هذه الأيام، تتحدث عن نمو متوقع للناتج المحلي الإجمالي العالمي بحدود 4 في المائة في العام الجاري، على أن يصل إلى 3.5 في المائة عام 2023، بعد نمو بلغ العام الماضي 5.5 في المائة. بالطبع أتى النمو المرتفع في العام المنصرم، من زخم الإنفاق الاستهلاكي، والإقبال بمعدلات متواضعة على الاستثمار، دون أن ننسى الارتفاعات الكبيرة لتجارة السلع، حيث تجاوزت حدود ما قبل الجائحة رغم اضطراب سلاسل التوريد المستمر حتى اليوم وسيستمر طوال العام الجاري، وكان قد حقق أعلى معدل للنمو منذ أربعة عقود تقريبا. لكن الأمور تتغير بصورة متسارعة مع بداية العام الحالي، بتراجع النمو حتى في دولة كالصين كانت تتصدر المشهد العالمي لعقود في مستويات النمو المرتفعة فيها. فعلى سبيل المثال، باستثناء الهند والمملكة، فإن بقية دولة "مجموعة العشرين" تسجل نموا متواضعا.
لماذا يحدث ذلك؟ لأسباب عديدة، في مقدمتها الارتباك الحالي في التعاطي مع أوميكرون واضطرار بعض الدول لفرض قيود على الحراك المجتمعي الاقتصادي، إلى جانب طبعا تراجع تأثير المحفزات النقدية والمالية، مع تعمق سلاسل التوريد التي باتت أزمة تؤرق الساحة الدولية، تماما مثل أرقها من الارتفاع التاريخي للتضخم. فهذا الأخير بلغ مستوى لم يسجله في الولايات المتحدة وبريطانيا منذ أكثر من ثلاثة عقود. وهذه الآفة تضغط بالطبع بصورة أكبر في الأسواق الناشئة والدول التي تصنف بالأشد فقرا. هذا يعني، أن التعافي الذي تم العام الماضي، وخروج العالم من انكماش مرعب، لم يؤسس بعد لمسار نمو متماسك، خصوصا إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه، وظلت حالة عدم اليقين حاضرة على الساحات هنا وهناك.
ورغم أن الدول المتقدمة يمكنها تحت أي ظروف وتبعات أن تنجو من الآثار المترتبة عن تراجع النمو وارتفاع التضخم وزيادة حجم الديون السيادية، وغير ذلك من الأشكال الاقتصادية المربكة لأي حكومة فيها، إلا أن الوضع أقرب إلى المصيبة الاقتصادية منه إلى أزمة في الدول الفقيرة والأشد فقرا. ويرى ديفيد مالباس رئيس البنك الدولي، أن السبب في ذلك يعود أساسا إلى توسع اللامساواة العالمية. فالدول الفقيرة عموما، كانت ولا تزال معرضة للضرر الاقتصادي الناجم عن جهود مكافحة التضخم، والتراجع الذي تشهده هذه الدول يسبب - بحسب مالباس - انعدام الأمن. وبالفعل لا توجد مؤشرات على نمو مرتقب في ساحات الدول الفقيرة، على الأقل في المرحلة المنظورة.
وإذا كانت هذه الحالة واضحة في دول تسعى لتعميق الاستدامة في اقتصاداتها ما أمكن لها ذلك، فإن الوضع في الأسواق الصاعدة من ساحة النمو ليس واضحا تماما. فكل التقديرات تتحدث عن بقاء إنتاج هذه الدول أقل بنسبة 4 في المائة عما كان عليه قبل جائحة كورونا، في حين تدل المؤشرات على أن التعافي في النشاط الاقتصادي في جميع الاقتصادات المتقدمة سيكتمل بحلول عام 2023. لكن حتى هذا الاستنتاج الذي يدعمه صندوق النقد الدولي، ليس مضمونا في عالم متأثر بتفاعل الجائحة العالمية. فإذا اضطرت أي دولة للإغلاق، ضربت تلقائيا كل أمل بتحقيقها نموا ينتظره كل الأسواق في كل بقعة على وجه الأرض. إنها مسألة تبقى معلقة لأجل ما.
إنشرها