Author

الاقتصاد العالمي بآفاق غامضة

|
"نخشى من انهيارات اقتصادية في وقت نسعى فيه لتعزيز النمو"
كريستالينا جورجييفا، مديرة صندوق النقد الدولي
أغلب المؤشرات تدل على أن النمو العالمي سيكون أقل في العام الجديد مما كان متوقعا. وهذا آخر ما تتمناه أي جهة في عالم لا يزال يعيش الآثار المخيفة للأزمة الاقتصادية الناجمة عن تفشي وباء كورونا المستجد، يضاف إلى ذلك المخاوف الراهنة من اتساع ضربات المتحور أوميكرون الذي أجبر بعض الدول على فرض قيود لمحاصرته، وتوفير الحماية للنمو العالمي الذي تحقق بالفعل في العام المنصرم. النمو في 2021 عزز بلا شك التعافي وأنهى بقوة الانكماش الذي ساد عام 2020 أو كما اصطلح على تسميته بعام الجائحة. إلا أن الأمر لا يبدو مشرقا ونحن في بداية عام، كان من المفترض أن يتواصل النمو فيه، وإن بدرجات أقل من سابقه. لماذا؟ لأن المشهد الاقتصادي العام ليس واضحا، إلى درجة أن خبراء توقعوا عاما أفضل للاقتصاد العالمي، بينما توقع آخرون عاما بائسا لهذا الاقتصاد.
والحق أن حالة عدم اليقين التي تعززت في الأسابيع الأخيرة من جراء تفشي أوميكرون، رفعت من معدلات الشكوك حول مصير الاقتصاد بنموه وتضخمه وديونه وتعثره وتعافيه، مع بدء بعض القطاعات الصراخ بصوت عال من مغبة تعرضها لضربات قوية لا تقوى على النهوض بعدها، بسبب القيود الجديدة. هذا المشهد دفع عديدا من الجهات بمن فيها البنك وصندوق النقد الدوليان إلى إعادة النظر بتوقعاتهما بشأن النمو العالمي. وهذا الأخير كان يمثل أملا لكل الدول، ليس فقط من أجل تكريس الخروج من الأزمة الاقتصادية المتوالدة من كورونا، بل لتعويض ما أمكن من الخسائر التي منيت بها في عام الانكماش. وهذا التعويض بدأ مساره بالفعل في العام الماضي، عندما وصل النمو لمستويات مرتفعة جدا.
وبعيدا عن التباين الواضح في آراء المراقبين والخبراء الاقتصاديين بشأن الاقتصاد العالمي عام 2022، إلا أن هذا الأخير يواجه تحديات قوية، يعود بعضها إلى بداية الهبوط الاقتصادي في أواخر عام 2019. وهذه التحديات تتمثل في ارتفاع مخيف للتضخم والديون الحكومية، فضلا عن تلك المشكلة المتعلقة بسلاسل التوريد، واستمرار المعارك التجارية بصورة أو أخرى بين قوى محورية في هذا العالم. علما بأن وضع الاقتصاد العالمي لم يكن مثاليا قبل كورونا، بما في ذلك النمو الذي كان متواضعا، فضلا عن معارك التجارة العنيفة التي شملت حتى الحلفاء التقليديين على مر التاريخ. التحديات في العام الجديد حتى ربما نهاية العقد الحالي، يمكن أن تتفاقم إلى حد تخرج عن السيطرة. فهموم الحكومات حاليا ينحصر في شيء واحد هو السيطرة وليس القضاء على التضخم، لأنها تعلم أنها لا تستطيع التخلص منه وهي تمر في هذه الأزمة العالمية المتفاعلة.
المشكلة في موجة التضخم الحالية أنها مرتبطة بقوة بالخلل الذي أصاب سلاسل التوريد. فهذا الخلل تسبب في ارتفاع الأسعار سواء السلع والطاقة، إلى درجة أن زادت أسعار الغاز الطبيعي في القارة الأوروبية بنسبة 500 في المائة، وبلغت ارتفاعات السلع في عدد كبير من الدول حد 30 في المائة مرة واحدة. ربما هذه الارتفاعات لن تدفع العالم إلى الركود التراكمي، إلا أن بقاءها مدة أطول ستدفع حتما الاقتصاد إلى مثل هذه المرحلة الخطيرة. الخوف حاليا يتركز بصورة واضحة في السياسات النقدية غير المشددة التي تتبعها إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، ما قد ينذر بضربات اقتصادية عالمية هنا وهناك، ولا سيما في عدد من الدول الناشئة. لكن هذه الإدارة قررت بالفعل أن تبدأ تغيير هذه السياسة بدءا من الشهر الثالث من العام الجديد، وهو أمر سيدفع التضخم بالتأكيد إلى الهبوط أو السيطرة عليه على أقل تقدير.
وبالفعل بدأت البنوك المركزية الرئيسة تضع الخطط لتشديد السياسات النقدية، إلا أن تداعيات أوميكرون قد تدفعها إلى تأجيل مخططاتها. فعندما ينكمش الاقتصاد أو يصل إلى مستويات دنيا مقلقة، ليس أمام الحكومات سوى التدخل لتحريكه وإسناده. وهذه الأخيرة تواجه مشكلة كبيرة جدا تتعلق بالديون المتراكمة عليها. فقد بلغت في بعض دول الاتحاد الأوروبي مثلا أكثر من 150 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي، فضلا عن الدين الأمريكي، الذي يعد مرتفعا تاريخيا بما يوازي إجمالي الناتج المحلي كله. في العام الجديد، تظهر بوضوح مخاطر الديون، ولا سيما تلك المتوجبة على عدد كبير من الدول الفقيرة والناشئة. فالخوف يتركز بالطبع من عدم القدرة على السداد، مع وقوع عدد من الدول العام الماضي في هذا المحظور.
وضع الاقتصاد العالمي في العام الجديد يبقى غامضا، إلى أن تتضح صورة السياسات النقدية في العالم، خصوصا في الدول التي تتأثر الساحة الدولية بسياساتها الاقتصادية عموما، حتى يتمكن العالم من حسم مصير المتحور أوميكرون. فهذا الأخير تفشى في وقت كانت مرحلة التعافي قد اكتملت، منطلقا بعدها مسار نمو بسرعات عالية، وإن بمستويات متفاوتة بين بلد وآخر.
إنشرها