Author

دورة في إدارة المخاطر

|
لا أعتقد أن هناك اليوم أهم من دورة في إدارة المخاطر يمكن لأي مدير أن يهتم بها، وفي ظني أنه لا شيء أهم من إدارة المخاطر يمكن لهيئة أو منظمة أن تعتمدها كبرنامج لتنمية مواردها البشرية، ذلك أنها تحمل في طياتها كل ما تعلمناه في الإدارة بشتى وظائفها، وهي أيضا مهمة جدا لفهم الآثار الكبيرة لعملية التخطيط الاستراتيجي المتقن، وأيضا ولعله أهم ما يميزها على الإطلاق: لتعزيز قدرة أصحاب القرار على تخصيص الموارد بشكل صحيح. وبعيدا عن استخدام مصطلحات قد تربك القارئ غير المختص وكذلك الطلاب المهتمين حديثا بهذا العلم.
فإن الحديث عن تخصيص المورد يلزمه في العادة استخدام مفاهيم اقتصادية ومحاسبية معقدة، لكن لا بد من الحديث عنه هنا ببساطة متناهية، فما منا أحد إلا له قرارات يومية بشأن حجم ما ينفق من موارده وأين - كل موارده المتاحة تبدأ من نشاطه البدني حتى أمواله النقدية السائلة - هذا ما نسميه تخصيص الموارد، ولكل مسار مخاطره التي لا بد من معرفتها، بغير هذا تصبح قرارات تخصيص الموارد عبثية، وكلما صعدنا في سلم الموارد حتى نصل إلى الأموال العامة والحجم الاقتصادي الكبير، فإن إدراك المخاطر يصبح أكثر أهمية مع قرارات تخصيص الموارد التي نعد وكلاء عليها. هذا ما يجعل إدارة المخاطر من الأهمية بمكان كي نتخذ قرارات صحيحة يوميا، وهذا ما يجعل دورة في إدارة المخاطر للإدارات التنفيذية أمرا في غاية الأهمية اليوم.
نشر المنتدى الاقتصادي العالمي منذ عام 2005 تقارير دورية عن المخاطر التي تهدد الاقتصاد العالمي مستخدما منهجية إدارة المخاطر، أي: كان يقيس الاحتمال والأثر، وذلك بناء على ما تقوم به الدول من استعدادات لمواجهة تلك المخاطر، هكذا هي القاعدة. ولقد جاء في تقرير عام 2021 ما نصه: "في عام 2006، أطلق تقرير المخاطر العالمية جرس الإنذار على الأوبئة والمخاطر الصحية الأخرى. وفي ذلك العام، حذر التقرير من أنفلونزا قاتلة تساعد أنماط السفر العالمية على انتشارها، ولأنها - إي إجراءات السفر - لا تتضمن آليات التحذير الكافية، وهو الحدث الذي من شأنه أن يكون تهديدا خطيرا على السفر والسياحة والخدمات الأخرى الصناعات، فضلا عن التصنيع وسلاسل توريد التجزئة" انتهى. هنا نقرأ بوضوح كيف أن التقرير يحلل حالة الرقابة على اكتشاف الحالات المرضية عند دخول المطارات والسفر، وأن التساهل الموجود حينها قد يقود إلى انتشار مرض أنفلونزا خطير وبسهولة، ثم ذهب التقرير لدعم ذلك بتحليل الأثر في احتمالية حدوث ذلك. كان ذلك التقرير الذي نشره المنتدى عام 2006، ومع ذلك يعود في تقرير عام 2021 ليقول: إن خطر حدوث جائحة عالمية قد أصبح حقيقة واقعة بعد أن كان مجرد احتمال. واللافت في الأمر أنه قد ذكر بوضوح الحاجة إلى تعاون عالمي في مواجهة مقاومة مضادات الميكروبات وذلك في الإصدار الثامن عام 2013، وكذلك آثار أزمة مرض الإيبولا في الإصدار الـ11، 2016، والتهديدات البيولوجية في الإصدار الـ14، 2019، ومع ذلك وقعت الكارثة كأنه لم يحذر منها أحد، وبما يقدم دليلا قويا على ضرورة التدريب المتقن على إدارة المخاطر، وأن فهمها والاستجابة لها من أهم ما يجب تعلمه اليوم لمن أراد القيادة.
هناك تشويش كبير على مفاهيم إدارة المخاطر من جانب إدارة التميز والجودة، وفي لقاءات عدة واجتماعات مطولة مع هذه الإدارات حول المخاطر، كنت أصل لقناعة واحدة وهي أنهم بآليات تفكيرهم الحالية، يمثلون الخطر الأكثر وضوحا على آليات تخصيص المورد، وهذا أهم ما تعمل إدارة المخاطر على حمايته، فقد كنت وما زلت أقول: إن ملاحقة الجودة والتميز بالطريقة التي تسير بها الآن ليست إلا هدرا للموارد، وهناك من الأمثلة ما قد يذهب بموضوع هذا المقال بعيدا.
هذا التشويش الكبير يؤدي إلى اعتبار إدارة المخاطر مجرد مجموعة من النماذج الساذجة، والأشكال المنمقة والجداول الرتيبة التي تتحول إلى مجرد وثيقة للحصول على شهادات التميز والترتيب المتقدم في المؤشرات، وهذا يفقدها كل جوهرها وتأثيرها في القرار بتخصيص الموارد، وهو الأهم. فرغم وضوح التحذيرات والتهديدات التي وردت في تقارير اقتصادية لها احترامها عن احتمالات حدوث الجائحة التي أصابت العالم، لم تنجح في تحفيز القرار نحو توجيه بعض الموارد لزيادة مخصصات اكتشاف ومنع انتقال الأمراض عبر السفر العالمي، وهي النافذة الهشة التي استخدمها الفيروس ليتحول إلى جائحة عالمية، هذا في وقت كانت شركات الطيران والمطارات والمستشفيات تصدعنا بالجودة وجوائزها، وأرهقتنا بالاستبيانات وعبارات مثل: "رأيك يهمنا"، ولا أعرف كيف يمكن لرأي مستخدم للخدمات أن يتنبأ بجائحة مثل كورونا تعد الأخطر على الحياة والاقتصاد.
لقد مارست التدريب على إدارة المخاطر أعواما وفي كل مرة يبدأ الحديث عنها بحماس ثم ينطفئ تماما عندما تصبح الآليات في الميدان، فلا أحد على استعداد لإنفاق جزء من يومه في تتبع المخاطر وقياسها والتفكير بشأنها فضلا عن تطوير مهاراته في ذلك، كما أن ثقافة إدراك المخاطر والاعتراف بها لم تزل متدنية جدا، وإذا تم تحديد بعض المخاطر من جهة مستقلة مثلا، فإن قبولها وتحمل مسؤولياتها تصبح شاقة جدا.
وإذا كان كل مدير يتخذ قرارات لها درجة من الخطورة، فإنه رغم ذلك لا يعد قراراته تلك جزءا من آليات إدارة المخاطر، لكنها تمت بشكل عشوائي غير مخطط، وعند محاولة تنظيم ذلك وفقا لقواعد عمل مقبولة جاءت الاحتجاجات كالسيل الجارف. من أجل ذلك أقول: إنه لا يوجد أهم من دورة في إدارة المخاطر يمكن لأي مؤسسة أن تهتم بها اليوم، ولا توجد في نظري تنمية للموارد البشرية أكثر أهمية من تنمية إدراك المخاطر وثقافتها.
إنشرها