Author

المواصفات المعيارية الدولية والعمل على إعدادها

|

شهد الشهر الماضي، وبالذات يوم الـ 14 منه، اليوم العالمي السنوي للمواصفات المعيارية. وقد طرح المقال السابق هذا الموضوع وتحدث عن المنظمات الدولية الثلاث المختصة بشؤونه، وتطرق إلى بعض المواصفات المستخدمة على نطاق واسع، وبعض الفوائد التي تقدمها. ومع تقارب العالم وتكامله في مختلف المجالات، وتأثير العالم السيبراني المتزايد في ذلك، تلقى الحاجة إلى المواصفات المعيارية اهتماما متزايدا. ومن أجل التعرف على مزيد بشأنها، يهدف هذا المقال إلى طرح كيفية إعداد المواصفات المعيارية الدولية، من أجل بيان مدى التأهيل الفني الذي تتمتع به، وتأكيد الحاجة إلى الاهتمام بها، وتطوير أساليب إعدادها، والاستفادة من معطياتها. ولا بد من إضافة ملاحظة هنا وهي أن المواصفات المعيارية الدولية، كأي معطيات معرفية، قابلة للتطوير المستمر، وهذا ما يحدث عادة، حيث يتم إصدار وثائق محدثة للمواصفات المختلفة بشكل دوري.
تصدر المواصفات المعيارية الدولية عن ثلاث منظمات، تتبع الأمم المتحدة، هي: منظمة المواصفات المعيارية الدولية ISO المسؤولة عن المواصفات في مختلف المجالات، والهيئة الدولية للتقنية الكهربائية IEC المسؤولة عن المواصفات المرتبطة بهذه التقنية، والاتحاد الدولي للاتصالات ITU المسؤول عن المواصفات في مجالات الاتصالات. وفي طرح كيفية إعداد المواصفات المعيارية الدولية، سنعتمد على منهجية منظمة المواصفات المعيارية الدولية ISO لأنها الجهة ذات المجال الأوسع في وضع المواصفات لنطاق عريض من السلع والخدمات، ولأبعاد مختلفة في شؤون إدارة المؤسسات. ولدى هذه المنظمة مجلس إدارة فني TMB مسؤول عن جميع مواصفات المنظمة إلى جانب 250 لجنة تخصصية، وآلاف الخبراء في المجالات المختلفة، في شتى أنحاء العالم.
تستند منهجية إعداد المواصفات إلى أربعة مبادئ رئيسة. يقضي المبدأ الأول بالاستجابة لحاجة السوق. ويركز المبدأ الثاني على الاعتماد على الخبراء حول العالم. ويهتم المبدأ الثالث بوجود شراكة مع أصحاب المصلحة. ويؤكد المبدأ الرابع الحاجة إلى الإجماع، أو الاقتراب منه، في إقرار المواصفات. وسنستعرض مضامين كل من هذه المبادئ فيما يلي، ونقدم بعض الملاحظات بشأنها.
بناء على المبدأ الأول -مبدأ الاستجابة لحاجة السوق- يبدأ إعداد أي مواصفة بناء على طلب من الجهات المنتجة، مثل اتحادات الصناعات في المجالات المختلفة، ومثل مجموعات المستفيدين من السلع أو الخدمات ذات العلاقة. ويأتي الطلب على وضع مواصفات دولية معيارية، من مثل هذه الجهات، انطلاقا من رغبتها في توثيق مواصفات محددة للموضوعات المستهدفة على المستوى الدولي من أجل إيجاد سوق دولية لهذه المنتجات، ومن أجل الاطمئنان إلى تمتع السلعة أو الخدمة المنتجة بمستوى مرض من الموثوقية والأمان.
وهنا لا بد من التوقف لذكر بعض الشركات الكبرى التي تسعى إلى احتكار السوق في المنتج الذي تقدمه، وتهتم بالتالي بمنع أي مواصفات معيارية دولية له. فهي تقول للسوق هذا منتجي، ولا بديل له، وعليكم قبوله، إذا أردتم الاستفادة من معطياته. وإذا كان هناك من مثال واضح على ذلك، فليس هناك مثال أفضل من شركة مايكروسوفت ومنتجيها الرئيسين النوافذ Windows، والمكتب Office. فليس لهذين المنتجين أي مواصفات معيارية دولية، وعلى المستخدمين أن يقبلوا بما تضعه "مايكروسوفت" من مواصفات. ويطلق على مواصفات مثل هذه الحالات مواصفات الأمر الواقع المعيارية de facto standards.
وننتقل إلى المبدأ الثاني، وهو مبدأ الاعتماد على الخبراء حول العالم. في إطار هذا المبدأ يقوم مجلس الإدارة الفني TMB للمنظمة بتعيين اللجان اللازمة لإعداد المواصفات المختلفة، وتعيين الخبراء المسؤولين عنها، وإحالة إعداد أي مواصفة إلى اللجنة المختصة ذات العلاقة. وتشمل اللجان إضافة إلى هؤلاء الخبراء، خبراء من الدول الأعضاء بالمنظمة، ومن أصحاب العلاقة في المجالات المطروحة. وتشهد لجان إعداد المواصفات بناء على ذلك، وجود خبراء غير متفرغين من مختلف أنحاء العالم، لكل منهم دور في هذا الإعداد. ولا شك أن العالم السيبراني قد فعل مشاركات الخبراء في اللجان، موفرا عليهم الزمن ونفقات السفر والإقامة.
ونأتي إلى المبدأ الثالث، وهو مبدأ الشراكة مع أصحاب العلاقة، ويكمل هذا المبدأ سابقه، حيث يفسح المجال أمام أصحاب العلاقة المُشاركة كأعضاء في لجان إعداد المواصفات. وتشمل هذه الشراكة أكاديميين ومستفيدين مستهدفين، وأعضاء في مؤسسات مهتمة بالموضوع، وربما آخرين أيضا. وتتيح هذه المشاركة الواسعة تعدد الآراء ووجهات النظر، حيث يثري ذلك الجوانب المعرفية للمواصفات المطروحة، لكنه في الوقت ذاته يؤدي إلى إطالة مدة إعداد المواصفات، والتأخر بالتالي في إصدارها.
ونصل هنا إلى المبدأ الرابع، وهو المبدأ الذي يقضي بضرورة تحقيق إجماع أو ربما شبه إجماع في الموافقة على مضامين المواصفات كي يتم إقرارها. وكما هي الحال في المبدأ السابق، يؤكد هذا المبدأ الثراء المعرفي للمواصفات عبر مشاركة الجميع، لكنه قد يسهم أيضا في تأخير صدورها. وتقدر المدة الزمنية الوسطى بين البدء في إعداد مواصفة، وبين إصدارها، بنحو ثلاثة أعوام، وهي مدة ليست قصيرة.
لا شك أن منهجية إعداد المواصفات المعيارية المطروحة فيما سبق، والمتبعة في منظمة المواصفات المعيارية الدولية ISO، تتسم بالحرص على شراكة عالمية واسعة النطاق تعطيها ثراء معرفيا كبيرا، وكذلك محاولة إرضاء الجميع، والحصول على موافقتهم، كي يكون استخدامها واسع النطاق أيضا يحيط بالعالم بأسره. لكن ذلك يأتي على حساب الزمن اللازم لإنجازها. وفي السعي إلى الحد من هذا الزمن، هناك عاملان مهمان يمكن أخذهما في الاعتبار في المستقبل. يقضي أولهما أن تحظى المواصفة بإعداد أولي شامل من قبل مجموعة صغيرة من الخبراء المتميزين، قبل طرحها للنقاش على مدى واسع طبقا للمبادئ المعتمدة. أما ثاني هذين العاملين فيركز على الحاجة إلى استخدام معطيات العالم السيبراني في اللقاءات المختلفة، حتى بعد كورونا، لتخفيف الأعباء وتسريع إيقاع هذه اللقاءات، والحصول على قرارات بسرعة أكبر، دون التخلي عن تعددية المشاركة والموافقة الواسعة المنشودة.

إنشرها