Author

«المسلسل» الطويل لأزمة الديون

|
بدأت الحكومات بإحصاءات دقيقة لديونها المتنامية حول العالم. وهي بذلك لن تحل أزمة الديون المستفحلة على ساحتي الدول النامية والمتقدمة، بل تذكر نفسها بـ"المصيبة" الماثلة على الساحة، ولا سيما بعد أن وصل حجم الديون إلى مستويات فلكية من جراء الأزمة الاقتصادية التي تركها وباء كورونا على الساحة، ما اضطر الحكومات إلى الاتجاه نحو الحل الأسهل لكنه الأخطر، وهو الاستدانة، بصرف النظر حتى عن طبيعة القدرة على التسديد في عدد كبير من الدول. ففي الكوارث، تختفي عادة المحاذير، والمهم أن يتم الإنقاذ بأسرع وقت، وبأقل الأضرار الممكنة. ولأن الأمر بهذه الصورة، ارتفعت مستويات الدين السيادي حول العالم بصورة كبيرة غير مسبوقة، ومن المتوقع أن ترتفع في الأعوام القليلة المقبلة، خصوصا مع هشاشة النمو الاقتصادي العالمي في أعقاب الجائحة العالمية الخطيرة.
بلغ مستوى الدين العالمي وفقا لمعهد التمويل الدولي IIF، ما يقارب 300 تريليون دولار! بينما بلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي العالمي في العام الماضي (أو عام الجائحة) 84.54 تريليون، بانخفاض أكثر من ثلاثة تريليونات عن حجمه في 2019. أي أن الدين العالمي يصل إلى أكثر من ثلاثة أضعاف الناتج العالمي. وهذا ليس غريبا، إذا ما عرفنا أن ثماني دول بلغت ديونها 150 في المائة من حجم ناتجها، في حين فاقت ديون ثلاث دول ديونها بمعدل 250 في المائة من الناتج الإجمالي لها. والارتفاع الهائل للديون ليس حكرا بالطبع على الدول النامية أو الصاعدة، بل يشمل دولا متقدمة، كإيطاليا التي بلغت ديونها 156 في المائة من ناتجها المحلي، وعددا من دول الاتحاد الأوروبي الرئيسة، ناهيك عن اليابان التي بلغت ديونها 1.216 كوادريليون ين (أو 10.84 تريليون دولار) في العام المالي 2020، أي ما يوازي 257 في المائة من حجم ناتجها المحلي.
الأرقام صادمة بالفعل للديون قياسا بالناتج العالمي، في الوقت الذي لا توجد فيه أي مخططات واضحة لدى الحكومات حول العالم في كيفية التعامل الناجع مع هذه الديون، سوى خفض الاقتراض لا التوقف عنه. وليس خافيا أن عددا كبيرا من الحكومات يلجأ للاقتراض غير المنضبط لأسباب سياسية محلية. فالإنفاق يشكل "عروضا" انتخابية لأي حزب، وخصوصا على الساحة الغربية، كما أن الناخب لا يهتم عادة بمصادر وتبعات الأموال التي تنفقها حكومته. في أعقاب تفشي وباء كورونا كان للحكومات حول العالم الحجة الأكبر في الاقتراض من أجل الإبقاء، بعد أن اضطرت لإغلاق اقتصاداتها كاملة ولمدد طويلة، فضلا عن تمويل خطط الإنقاذ التي أطلقتها خلال هذه الأزمة الكبيرة.
الديون في كل الأحوال ليست سيئة، لكنها ستكون كارثة إذا لم تكن للمقترض القدرة على السداد. فالتمويل بالديون يمثل حجر الزاوية في عملية التنمية بكل عام، وإذا لم تكن هذه الديون خاضعة لمعايير النزاهة والشفافية، فإنها تتحول إلى عبء فظيع على الاقتصاد المحلي. فأهم عنصر من عناصر النجاح في هذا الميدان، أن تكون هناك إدارة عالية الجودة للديون، وتكتسب مصداقية مرتفعة المستوى بالطبع. لكن التجارب السابقة أظهرت أن نسبة كبيرة من الدول التي ترزح تحت وطأة الدين العام، لم تدر ملفات الدين كما يجب. وهذا وفق الدوائر العالمية المختصة يثبط من الاستثمار الخاص، وبالطبع الاستثمار الأجنبي أيضا. ولا شك في أن مخاطر الديون ترتفع أكثر في دول نامية، لأسباب تتعلق بالاستدامة التي لا تتمتع بها أغلبية هذه الدول.
في نهاية 2019 أي قبل كورونا، تأكد أن أكثر من نصف الدول المؤهلة للاقتراض من المؤسسة الدولية للتنمية، في وضع مديونية حرج أو معرض بدرجة كبيرة للوصول إليه. وبحسب مجموعة البنك الدولي، فإن أقل من نصف الدول التي شملتها تقييمات البنك وغيره من المؤسسات الاقتصادية الدولية، استوفت الحد الأدنى من المتطلبات لتسجيل الديون والمتابعة. واللافت، أن ارتفاع وتيرة الاقتراض هي الأكبر في الأسواق الناشئة، وزادت بقوة في العام الماضي بالطبع، لتغطية الثغرات الاقتصادية التي تركتها جائحة كورونا. وفي كل الأحوال، تبقى مشكلات الدين السيادي العالمي حاضرة إلى أجل غير مسمى. فلا توجد في الأفق مؤشرات تدل على التقليل من آثارها، مع بطء وهشاشة النمو الاقتصادي على الساحة الدولية.
ومن النقاط المهمة على صعيد الديون بشكل عام، الارتفاع المطرد لديون الأفراد خلال النصف الأول من العام الجاري. والخوف هنا يكمن في أن نسبة كبيرة من ديون الأفراد تذهب إلى ساحة العقارات، في حين لا أحد يمكنه ضمان استدامة هذه السوق، خصوصا في الفترة المقبلة. فقد بلغت ديون الأفراد حول العالم 55.3 تريليون دولار. وفي الفترة الماضية ازدادت المخاوف من انهيار عدد من شركات الرهن العقاري؛ ما يعني أن أزمة عالمية ربما قد تظهر، لكن مؤشراتها ليست قوية، خصوصا مع تدخل بعض الحكومات للإنقاذ، في حين لا يزال العالم ينتظر مصير شركة الرهن العقاري الصينية الهائلة "إيفرجراند" التي بلغت ديونها 300 مليار دولار.
إنشرها