Author

البورصة العقارية .. ضبط العمليات والحوكمة والشفافية

|
تترقب السوق العقارية المحلية خلال الربع الرابع من العام الجاري، خوض مرحلة جديدة غير مسبوقة في تاريخها الطويل، متمثلة في تدشين البورصة العقارية حسبما صرح به أخيرا المشرف العام على الثروة العقارية في وزارة العدل، وتخطط الوزارة من خلال هذا المشروع العملاق إلى ضبط تعاملات السوق العقارية كافة، وإخضاعها لقواعد حازمة وواضحة وسهلة على مستوى الحوكمة، لمنع أي تلاعبات أو محاولات لرفع الأسعار أو تخفيضها.
وحسبما أوضح المشرف العام على الثروة العقارية في الوزارة، فقد بدأت الأعمال الأولية على تأسيس البورصة في 2017، واستغرقت تلك المرحلة نحو 14 شهرا، تركزت على المسح الميداني للسوق العقارية، وإجراء المقارنات بينها وبقية التجارب الدولية، بالتعاون مع إحدى الشركات الاستشارية العالمية ذات الخبرة الطويلة في هذا المجال. انتقلت الوزارة بعد إتمام تلك المرحلة إلى اعتماد تسعة مشاريع لأجل استكمال التنفيذ المنتهي بتأسيس البورصة العقارية، بدأ العمل على تنفيذها مع نهاية 2019 عبر مسارين رئيسين: المسار الأول: رقمنة الوثائق العقارية وقدر إجمالي عددها بأكثر من 100 مليون وثيقة عقارية، شملت 250 جهة عدلية "محاكم عامة، وكتابات عدل"، بما فيها الوثائق العقارية القديمة جدا، كان أقدمها وثيقة عقارية تعود إلى عام 963 هـ، وتوجد لدى المحكمة العامة في المدينة المنورة.
المسار الثاني: رقمنة إجراءات المعاملات العقارية، واتخذ عددا من المشاريع المتمثلة في: (1) خدمة الصك العقاري الإلكتروني. (2) خدمة الإفراغ العقاري الإلكتروني، حيث لا يتجاوز وقت نقل الملكية 60 دقيقة. (3) خدمات الراهن العقاري وفكّه. (4) فرز الصكوك العقارية بصورة إلكترونية. ووصل عدد ما تمت رقمنته من ذلك العدد الكبير جدا من الوثائق العقارية، إلى نحو 50 مليون وثيقة عقارية، استغرق العمل المستمر على إنجازها نحو عام ونصف العام، وستستكمل عمليات الرقمنة المتبقية من تلك الوثائق العقارية البالغ عددها 50 مليون وثيقة خلال عام مقبل من تاريخه، واقتضى تحقيق هذا الهدف الطموح رفع المعدل اليومي لعمليات رقمنة الوثائق العقارية من 100 ألف وثيقة يوميا، إلى معدل يومي يبلغ 300 ألف وثيقة، والعمل المستمر طوال جميع أيام الأسبوع، وطوال 24 ساعة عمل، بمعدل قياسي للتوثيق الرقمي يبلغ 30 وثيقة عقارية في الثانية الواحدة. ويختلف مفهوم الوثيقة العقارية عن الصك العقاري في هذا الشأن، حيث تشمل الوثيقة العقارية جميع المستندات التي تمّ بناء عليها إصدار الصك العقاري، كما تشمل كل ما يرتبط بتوثيق تلك الصكوك العقارية، ووفقا لتقديرات وزارة العدل، يراوح عدد الصكوك العقارية في المملكة العربية السعودية ما بين 15 و18 مليون صك عقاري.
لم يكن لمشروع البورصة العقارية أن يرى النور، إلا بإتمام كثير من المتطلبات والتطوير على مستوى البنية التحتية اللازمة لعملها وبدء الاعتماد عليها، انطلقت من الربط الرقمي مع أكثر من 300 جهة حكومية ومنشآت خاصة ذات العلاقة، والتنسيق المستمر فيما بين الوزارة وبقية تلك الأجهزة الحكومية والمنشآت الخاصة، وانطلقت النواة الأساسية للبورصة العقارية من إتمام خدمة الإفراغ العقاري، وفي المجمل تشكلت المراحل اللازمة لتنفيذ المشروع، من الانتهاء من المراحل التالية: (1) نظام الموثقين بالشراكة مع القطاع الخاص. (2) الصك العقاري الإلكتروني. (3) الإفراغ العقاري الإلكتروني. (4) الرهن الإلكتروني وفكه. وتركز البورصة العقارية على ما هو امتداد في كتابات العدل سابقا، منتقلة بوجود البورصة إلى إتمام العمليات العقارية من خلالها بدلا من كتابات العدل، وبدلا من أن يحصر البيع والشراء في مشتر محدد، حيث يمكن عرض العقار بشكل حر وطلبه كذلك، والتأكيد أيضا أن البورصة العقارية لن تتداخل مع أعمال القطاع العقاري أو الشركات والمكاتب العقارية، التي يكون دورها في إدارة الأملاك واتفاقيات الوساطة أو أعمال مرتبطة أخرى.
تقف البورصة العقارية، المرتقب تدشينها قريبا، - بمشيئة الله تعالى - على منظومة سحابية خاصة بالثروة العقارية ورقمنتها، تم الانتهاء من بنائها وفق أعلى المعايير الدولية، وتمتلكها وزارة العدل، وتعد البورصة جاهزة للعمل خلال الفترة الراهنة وشبه مكتملة. في ضوء ما تقدم، فإن البورصة العقارية يمكنها أن تعمل على إنجاز خمسة أضعاف حجم التداول الراهن، أي: بما تتجاوز قيمة تداولاته العقارية سقف 2.0 تريليون ريال، ما سيؤهلها لأن تكون واحدا من أكبر روافد الاقتصاد الوطني. وكما سبقت الإشارة إليه أعلاه، فإن الدور الجوهري الذي تقوم عليه البورصة العقارية ينطلق بدرجة أساسية من ضبط عمليات السوق العقارية، التي ستتم حوكمتها بشكل إلكتروني كامل ودون أي تدخل بشري. ووفقا لتلك السمات الأساسية، تعد جميع الصكوك المدرجة في البورصة صكوكا مؤهلة للإدراج، ولا يوجد عليها أي قيود ولا حتى على ملاكها، ما يعني بدوره عدم تكرار الأخطاء السابقة التي طالما عانتها تعاملات السوق، وبحال حصل أي ممارسات سلبية، فإن النظام سيقوم بالتعامل معها ومعالجتها بصورة فورية.
كما يقوم مشروع البورصة العقارية على مبدأ خضوع السوق لقوى العرض والطلب، فيحق للبائع أن يعرض عقاره بالسعر الذي يراه مناسبا، وعندما يقوم بعرضه يفترض أنه جاد في البيع، ولديه فترة تمتد إلى عشرة أيام (قد تزيد أو تنقص عدة أيام)، ولا يستطيع خلال هذه الفترة أن يسحب عرضه بالبيع. في المقابل، سيكون المشتري ملزما بالسعر الذي استعد لدفعه مقابل عملية الشراء، حيث تتوافر في البورصة العقارية حسابات وسيطة، يجب أن يقوم المشتري المحتمل بتحويل المبالغ المالية إلى تلك الحسابات، والتأكد أن المشتري تتوافر لديه المبالغ اللازمة والكافية لإتمام عملية الشراء.
ختاما: لا بد من النظر إلى هذه التجربة الجديدة في بدايتها بكثير من الصبر والتعاون والعمل الدؤوب على استمرار التطوير وتجاوز أي احتمالات بالعطل أو خلافه، والنظر بعيدا إلى ما وراء ولادة هذا المشروع الاقتصادي العملاق، من المزايا والإيجابيات التي سيحملها معه - بإذن الله تعالى -، بدءا من الإيجابيات الأهم المتمثلة في ارتفاع مستوى شفافية تعاملات السوق العقارية، بما ستوفره البورصة من معلومات مهمة جدا حول حجم العرض والطلب في السوق، وسهولة التعرف على مستويات واتجاهات الأسعار السوقية بصورة آنية، وبمعرفتها لدى جميع أطراف السوق العقارية، سنجد أن قوى العرض والطلب في السوق ستعمل بكفاءة أعلى بكثير من السابق، وسيكون تحديد الأسعار بدرجة كبيرة مبنيا على تلك العوامل الأساسية أكثر من غيرها من التشوهات وأشكال التلاعب بالأسعار، التي أصبحت تواجه حزمة صارمة ودقيقة من إجراءات الحوكمة وضبط عمليات السوق بصورة إلكترونية، ودون أي تدخل بشري. لا بد من النظر إلى هذه المكاسب الكبيرة بكثير من الصبر والتأني، وأن هذا المشروع العملاق الذي قطع أشواطا ضخمة من الجهود والعمل المستمر لأجل ولادته، سيكون مؤهلا للتطور والنمو والتنوع التقني المتقدم مستقبلا، الذي ستصب إيجابياته في مصلحة الاقتصاد الوطني والسوق العقارية والمجتمع بتوفيق الله تعالى.
إنشرها