Author

صراع لإصلاح منظمة التجارة

|
"لا يمكن جعل منظمة التجارة العالمية أقوى إلا بالتعاون الحقيقي"
أكونجو إيويلا، مدير منظمة التجارة العالمية
تنفست منظمة التجارة العالمية الصعداء بخروج دونالد ترمب من البيت الأبيض. فهذا الأخير استهدفها كما استهدف عددا من المنظمات الدولية، إلى حد أعلن بالفعل انسحاب بلاده منها، على أن يتم التنفيذ في الشهر السابع من العام الجاري. لم يعد ترمب رئيسا، وبالتالي لن تنسحب الولايات المتحدة من هذه المنظمة. لماذا؟ لأن الإدارة الأمريكية الديمقراطية الجديدة، تؤمن بضرورة دعم المنظمات الدولية عموما، لا استهدافها، خصوصا منظمة التجارة التي صار دورها أكبر في أعقاب انتشار جائحة كورونا حول العالم، فضلا عن أنها توفر العوامل المشتركة لانسياب حركة التجارة الدولية، مع ضرورة الإشارة إلى أن هذا الكيان التجاري لم يتشكل إلا بعد عقود من المفاوضات والخلافات والاتهامات بين الدول المنضوية تحت لوائه.
لم يكن الرئيس الأمريكي السابق ترمب مخطئا تماما في انتقاداته لمنظمة التجارة العالمية. فهذه الأخيرة تحتاج بالفعل إلى إدخال إصلاحات واسعة على قوانينها واتفاقياتها. لكن الانسحاب الذي أعلنه ترمب لا يحل المشكلات العالقة ضمن هذه المنظمة، بل يعرقل أي خطوات نحو الإصلاح، خصوصا في ظل الوزن الذي تتمتع به الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا على الساحة الدولية. هناك ظلم تجاري يقع بالفعل على عدد من الدول، ومن بينها الولايات المتحدة، كما أن القوانين التي قامت عليها المنظمة لم يعد بعضها متناسبا مع التطورات والتحولات التي حدثت في العقد الماضي. أضف إلى ذلك التداعيات الأخيرة التي نجمت عن تفشي كورونا، وتوقف الحراك التجاري لفترة، واضطراب سلاسل الإمدادات في تلك الفترة، بل حتى اليوم.
ولا شك أن هناك دولا تقوض نظام التجارة العالمي. وهذا ما أظهره - على سبيل المثال - وزراء تجارة دول مجموعة السبع، في اجتماعهم الافتراضي قبل الأسبوع الماضي برئاسة بريطانيا. والمشكلة الرئيسة في هذا المجال، تكمن في تنامي الدعم الكثيف للقطاعات الاقتصادية من جانب الحكومات، ما يتعارض بالطبع مع القوانين التجارية الدولية، فضلا عن تزايد عمليات سرقة التكنولوجيا. بالطبع كل الدول المنتقدة في هذا الميدان تشير إلى الصين دون تسميتها، بينما كان الرئيس الأمريكي السابق يقول ذلك علنا، ويوجه أصابع الاتهامات للحكومة الصينية، الأمر الذي أفسح له المجال لفرض عقوبات تجارية على هذا البلد. علما بأن ترمب فرض عقوبات أقل حدة حتى على شركائه الأوروبيين. وفي النهاية تتصدر الصين الدول الأكثر تعرضا للهجوم، باعتبارها تحتل المركز الثاني في قائمة الاقتصادات الأكبر على مستوى العالم.
الإصلاحات المطلوبة في منظمة التجارة العالمية، ليست معقدة كما يظن البعض. ما هو مطلوب أن تسن قوانين تفرض عقوبات على الدول التي لا تتبع القواعد التي تفرضها المنظمة على جميع أعضائها. بمعنى آخر، لا أحد يطالب بإعادة النظر بالكامل في القواعد الأساسية التي قام عليها هذا الكيان، وكل ما تسعى له الدول الداعية للإصلاح تشديد العقوبات على المخالفين، مع تعديلات بسيطة وواضحة في بعض القواعد. وهذه التعديلات تصب في الواقع في مصلحة الدول النامية. فهؤلاء الساعون إلى التغيير، يريدون من الدول المستفيدة من منظمة التجارة العالمية أن تقدم المساعدة للاقتصادات النامية. ومثل هذه المساعدة وفرت في العقود الماضية بالفعل دعما قويا للدول النامية، بما في ذلك تمتع الأخيرة بتسهيلات تجارية وإعفاءات جمركية على صادراتها.
المشكلة القديمة المتجددة تبقى حاضرة على الساحة التجارية. فالصين التي انضمت إلى عضوية منظمة التجارة العالمية عام 2001، متهمة دائمة بسرقة حقوق الملكية الفكرية، والتسبب في أضرار بيئية، فضلا عن اتهامها بأنها تستخدم عمالة إجبارية في صناعاتها. أضف إلى ذلك، أن الصين تستغل قواعد منظمة التجارة من جهة الحصول على الدعم كدولة نامية. فهذا البلد لم يعد كذلك منذ أعوام، ولا يمكن أن يتمتع بالامتيازات التي تحصل عليها الاقتصادات النامية. وكانت بريطانيا أكثر دول مجموعة السبع وضوحا، بإعلانها أن الصين تستفيد من استثناءات وضعت قبل عقود، ولم تعد تناسب وضعها كقوة اقتصادية كبرى حاليا. من هنا، فإذا بدأت عملية الإصلاحات في منظمة التجارة، فعلى الدول كلها أن تبدي التزاما في المفاوضات الآن وفي المستقبل.
إدارة الرئيس الأمريكي الحالية جو بايدن تسعى إلى التمسك الكامل بمنظمة التجارة العالمية، وهي لا تختلف في رؤيتها عن رؤية الإدارة السابقة في ضرورة إدخال الإصلاحات إلى هذا الكيان. ولذلك فإن مخططاتها الإصلاحية، إلى جانب مخططات بقية الدول الغربية المتقدمة، ستشهد زخما قويا في المرحلة المقبلة، والمرجح أن تكون هناك مواجهات تجارية حقيقية مع الصين التي لا تزال حكومتها ترفض التعاون في مجال الإصلاحات، بل ترفض الاتهامات التي توجه إليها، ولا سيما من جهة الغرب. وهذا يترك المجال مفتوحا بالطبع لتواصل الحرب التجارية التي لا تزال موجودة بين الصين من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى. فبكين كانت تتوقع موقفا أكثر ليونة من الإدارة الأمريكية الجديدة، إلا أنها أصيبت بخيبة أمل. فالخلافات لا تزال موجودة، ومصير إصلاحات منظمة التجارة العالمية مرهون بالتعاون الصيني.
إنشرها