Author

التخصص في أسهم شركة واحدة

|
جرى العرف في مجال الاستثمار في الأسهم أن يقوم الشخص بالاستثمار في عدة شركات من باب التنويع وتقليص المخاطرة، وعادة ما ينصح بمحفظة متنوعة تحتوي على عدد كبير من الشركات. ورغم صحة مفهوم التنويع هذا، إلا أن هناك عدة إشكاليات في تطبيقه من جهة، وفي مدى مناسبته لشرائح كثيرة من المستثمرين، وبالذات المستثمرون على المدى القصير والمضاربون عموما.
في هذا المقال أطرح مفهوم التخصص في عدد قليل من الشركات لفئة المضاربين، ويمكن أن يتم ذلك فقط بالتعامل في شركتين أو ثلاث فقط.
في دراسة نظريات المحافظ دائما يذكر الرقم 30 على أنه الرقم المناسب لعدد الشركات في المحفظة، ويؤخذ هذا العدد على أنه كاف لتحقيق التوازن والتنويع في المحفظة. وهذا الرقم ظهر في أبحاث مالية نشرت في السبعينيات ميلاديا، استندت في الأساس إلى مفاهيم إحصائية ودراسات احتمالات تشير إلى أن أي عينة عشوائية مكونة من 30 عنصرا تكون كافية لتقدير المتوسط والانحراف المعياري للمجتمع الإحصائي. وبالطبع، لا يوجد إثبات علمي لهذا الرقم، فهو فقط مبني على استنتاجات تجريبية تشير إلى أنه بهذا الرقم ممكن التخلص من 95 في المائة من الانحراف عن المتوسط.
من ناحية أخرى، من الصعب جدا لكثير من المستثمرين بناء محافظ بهذا العدد الكبير من الأسهم، وإن تم ذلك فالنتيجة ستكون محفظة أداؤها قريب جدا لأداء السوق كلها، وهو المجتمع الإحصائي في هذه الحالة. وإذا كان هذا بالفعل ما يريده المستثمر، فلماذا يقوم بتكبد عناء إنشاء محفظة بهذا الشكل وصيانتها وهو يستطيع شراء أسهم أحد صناديق المؤشرات أو الاشتراك في صندوق استثماري ساكن، غير نشط؟ فكما هو معروف، هناك صناديق استثمارية لا تمارس الأسلوب النشط في الاستثمار، بل تكتفي بمحاكاة أداء مؤشر معين، وبالتالي ستكون التكلفة أقل على المستثمر إن قام بشراء إحدى هذه الوسائل مباشرة.
من ناحية أخرى، رأينا في تحليل هنا في صحيفة "الاقتصادية" هذا الأسبوع، كيف أن عددا كبيرا من صناديق الاستثمار في المملكة حققت أداء أفضل بكثير من أداء المؤشر العام للسوق، وأفضل من جميع مؤشرات قطاعات السوق لذا، من الواضح أن التنويع في هذه الصناديق لم يكن تنويعا كاملا، بمعنى محاكاة السوق كلها أو أحد مؤشراتها، بل كان مدير الصندوق يمارس الاستثمار النشط وينتقي عددا معينا من الشركات دون غيرها.
هذه الملاحظة فيما يخص درجات التنويع والاعتماد على الأسلوب النشط في الاستثمار، تقودنا إلى التساؤل عن مدى جدوى الاستثمار في عدد أقل من الشركات، بل ربما الاستثمار في شركة واحدة فقط، وما إذا كان ذلك ممكنا للمستثمر قصير المدى وللمضاربين عموما.
هناك فوائد كبيرة جدا للتخصص بشركة واحدة أو ربما اثنتين أو ثلاث كحد أقصى، وأهم هذه الفوائد أن التخصص يمنح الشخص أفضلية عالية مقارنة ببقية المتعاملين بحكم كمية المعلومات التي ستكون متوافرة لديه عن الشركة. فالتخصص يعني، أن الشخص يتابع كل كبيرة وصغيرة فيما يخص الشركة، ويتابع جميع ما يصدر من أخبار وتطورات عنها، ويربط ما بين خبر وآخر ليخرج بتصور فريد لا يملكه إلا قلة من المهتمين بالشركة.
التخصص بشركة واحدة يعني أن الشخص ملم بقوائمها المالية، ويعرف بنودها عن ظهر قلب، فلا يحتاج إلى قراءة القوائم بدءا من الصفر كما يضطر له المستثمر غير المختص، فيستطيع مراقبة أي جزئية أو بند في هذه القوائم ويتتبع تغيراتها من وقت إلى آخر.
أما من جانب التحليل الفني، فإن التخصص بشركة واحدة له كذلك فوائد مهمة، وذلك لأن سهم كل شركة له سلوكيات معينة خاصة بالشركة، نتيجة طبيعة وحجم كميات العرض والطلب اليومية عليها، التي ما هي إلا انعكاس لسلوكيات المتداولين لأسهم هذه الشركة. هذه من الحقائق التي قليل من المتعاملين يدركها، وهي أن كل سهم له شخصية معينة، إن صح التعبير، فتجده يتفاعل مع الأخبار والأحداث بشكل خاص به، ويتأثر بالمؤشرات الفنية بطريقة خاصة به، علاوة على أن تأثره بحركة المؤشر العام له طابع معين.
لذا، فإن من يتخصص بسهم معين سيتولد لديه مع مرور الوقت ميزة تنافسية فريدة، تعلي قامته فوق قامات الآخرين، وتمكنه من التنبؤ بتحركات السهم قبل غيره من عامة المشاركين. والتخصص بسهم واحد ضروري جدا للمضارب على المدى القصير أو من يتعامل بالتداول اليومي، والحقيقة: إن أشهر المضاربين في العالم، وهم صناع السوق في البورصات والأسواق الإلكترونية، تجدهم يتخصصون في عدد قليل من الشركات، حيث كان في وقت سابق في بورصة نيويورك هناك فقط صانع سوق واحد لكل سهم، ما يدل على أهمية التخصص والتركيز على شركة واحدة.
طبعا، هناك سلبيات لهذه الاستراتيجية، وهي أنها لا تناسب الاستثمار طويل المدى، ولا حتى متوسط المدى، كونها تخالف مبدأ التنويع الضروري لتقليص المخاطرة. والسلبية الأخرى هي، أنها تتطلب اختيار شركة مناسبة من الأساس، لأن في ذلك جهودا كبيرة على الشخص لمتابعة الشركة، وحضور اجتماعات المساهمين باستمرار، والاطلاع بشكل جيد على طبيعة عمل الشركة والقطاع الذي تعمل فيه، والتطورات التقنية والعلمية التي تحدث فيه، وغيرها من أحداث، وبالتالي يجب أن يتم بذل هذا الجهد في مكانه الصحيح. لذا، فإن الخطوة الأولى لتطبيق هذه الاستراتيجية تتم بانتقاء الشركة المناسبة بناء على معرفة الشخص بالشركات وأسهمها، إلى جانب ميوله الشخصية.
إنشرها