Author

فتيات في تجربة الوظائف الهشة

|


خلال الأسبوع الماضي، ناقش مجلس الشورى تقرير وزارة الموارد البشرية. وبلا مقدمات، كان موضوع التوطين والوظائف حاضرا بكل قوة، خاصة توطين الوظائف القيادية العليا منها والوسطى، وكان تأثير كورونا في رقم البطالة مقلقا بلا شك، فقد ارتفع الرقم إلى 15 في المائة، واستخدم بعض أعضاء المجلس مصطلحات مثل الوظائف غير المستدامة، أو التي يسميها الآخرون الوظائف الهشة، وهي الوظيفة غير المؤكدة وغير المستقرة والمحفوفة بالمخاطر، أو التي لا تساعد على الخروج من الفقر، فهي لا تؤدي إلى ارتفاع مستويات النمو الاقتصادي حتى لو ارتفع معدل التوظيف. وقفز هذا المفهوم إلى اهتمام الإعلام الاقتصادي بعد الانهيارات المالية عام 2008، ففي عام 2007 كان العالم يريد أن يحتفل بوصول العمال إلى أكثر من 3.1 مليار في عام 2007. لكن الأزمة المالية العالمية شوهت ذلك تماما وأدت في عام واحد إلى فقدان الوظائف العالمية بمقدار 50.4 مليون في عام 2009 وحده. فالوظائف الهشة تساعد على تخفيض رقم مؤشر البطالة، بينما هي غير قابلة للاستدامة، فبمجرد حدوث ارتباك اقتصادي سيتم التخلص من الموظفين دون أدنى مسؤولية من القطاع الخاص، وعلى الدولة تحمل تكاليف التوطين. ورغم كل الاتهامات التي اتهم بها الموظف السعودي، فقد أثبتت جهود التوطين أنه قادر على العمل تحت كل الظروف إذا كانت العوائد مقبولة، ولن نقول مناسبة. وسأضع أمام القارئ الكريم بعض الأمثلة التي تؤكد مفهوم الوظائف الهشة ومصداقية رغبة الموظف السعودي في العمل، على أنني في كلمة موظف أعني الرجل والمرأة على حد سواء، فقد شهدنا كيف اقتحمت الفتاة السعودية جميع محال البيع عندما أتيحت لها الفرصة في عمل آمن، مع دخل مقبول، وحل مشكلة النقل، لكني أقول: إن مفهوم الوظائف الهشة لم يعره أحد أي اهتمام بعد.
سأورد قصة حقيقة توضح مفهوم الوظائف الهشة، وهي أن عددا من الفتيات قبل وظائف في مؤسسة خاصة، وجميع موظفي القيادة الوسطى والعليا من الأجانب، والفتيات خريجات بكالوريوس محاسبة وإدارة أعمال، وتم توقيع عقود كثيرة الأرواق يمكن تصنيفها كعقود إذعان، فمن الصعب عليهم رفض شروط العقد أو شروط المؤسسة، فالحاجة إلى الوظيفة ماسة وصاحب الحاجة أرعن - كما تقول العرب، وليس شرطا أن يكون ذلك بسبب الفقر، بل بسبب الحاجة إلى العمل نفسه وتحقيق الطموح وعدم الشعور بخسارة أعوام الدراسة كلما مضى العمر، وهذه أولى صفات الوظائف الهشة، فالمؤسسة ليست بحاجة فعلية إلى الموظف، لكنها تقبل به على مضض لمقابلة شروط التوطين والتصنيف والعقود الحكومية. وبمعنى آخر، لم يتم إحلال موظف أجنبي بموظف سعودي، ولم تتم زيادة حجم الأعمال في مقابل الوظائف الجديدة المستحدثة، بل تعدها المؤسسة تكلفة من تكاليف الإنتاج التي سببها النظام، فهي في نظر المؤسسات مجرد غرامة أو ضريبة الحفاظ على الموظفين الأجانب.
من صفات الوظائف الهشة: عدم وضوح العمل والمهام، فتجد في العقد مسميات مبهمة، وقد يطلب من الموظف أن يباشر في مقر غير مجهز ولا مناسب، وفي حال الفتيات فهو غير مؤهل أصلا للعمل فيه، وبعضها مجرد مقار تحت الإنشاء، فبيئة العمل وتجهيزات المقار للوظائف الهشة تعد خسارة كبيرة على المؤسسات تحاول جهدها أن تتجنبها، وهذا يمثل عامل ضغط كبيرا على الموظفات، خصوصا أنهن في حاجة ماسة إلى بيئة عمل تراعي ظروف المرأة، وفي الوظائف الهشة يتم الضغط على الموظف في ساعات العمل غير المرنة، وغير واضحة المهام، ومن ذلك العمل فوق المعدلات المعتادة، فالمؤسسة التي أشرت إليها كانت تجبر الفتيات على العمل ثماني ساعات في اليوم، من الساعة الثامنة حتى الساعة الخامسة مساء، بلا استراحة، ولمدة ستة أيام في الأسبوع، وهذا معدل مرتفع، فهو أعلى حد وضعة النظام، أي: 48 ساعة في الأسبوع، وبلا شك أن هذا مرهق جدا، لكن في الوظائف الهشة فلا معنى لراحة الموظف، ولا معنى البتة لبيئة العمل المحفزة، ولا فائدة من إجازة يومين في الأسبوع فلا معنى حقيقي للإنتاجية هنا.
ومع الأسف، رغم أن الفتيات حصلن على بكالوريوس إدارة أعمال، لم تكن قادرات على فهم نظام العمل والحقوق المترتبة عليهن أو لهن، ولذا فإن معظم الموظفين في الوظائف الهشة وبسبب الرغبة الكبيرة في العمل قد لا يناقشون مسائل مثل هذه، لكن عندما يصبح الموضوع شديد الإرهاق، والإنتاجية غير ذات صلة، كما أن الضغط المستمر من المديرين الأجانب والتهديد والتنمر قد يحفز الموظف لسؤال الآخرين في مؤسسات نظيرة. هنا تظهر أكبر سمات الوظائف الهشة، وهي طريقة الاستغناء عن الموظف، فالمؤسسة ترد على طلب الفتيات بالاستقالة بطلب التعويض عن الرواتب بدلا من التحفيز وتقديم عرض أفضل للحفاظ على الموظف، فالمسألة بالنسبة إلى الشركة هي الرواتب التي تم دفعها وتأمل استردادها، لأن الراتب الذي تم دفعه للموظف أو الموظفة كان مجرد منحة لا مقابل منها، ولهذا فلا يتم التخلص من الموظف إلا أن يدفع تعويضات أو يقبل بالبقاء في هذا الأسر، وهنا يكون أمام الموظفين خيارين لا ثالث لهما، إما الرضا بالوظيفة الهشة تحت سياط الأجانب والعمل الذي يشبه السخرة، وإما الاستقالة وخسارة التعويضات والراتب وشهادة الخبرة، وهنا تتحول الوظيفة الهشة إلى قضية معقدة. وهكذا من السهل أن تخرج المؤسسات من عنق زجاجة الوظائف الهشة بمثل هذه الشروط المؤلمة أو بحدوث مشكلات اقتصادية مثلما حدث في أزمة كورنا الأخيرة، حيث يمكنها التخلص من الموظفين أو أن تدعم الدولة رواتبهم كما يفعل صندوق الموارد البشرية.

إنشرها