سيولة قياسية .. مسار اقتصادي محكم 

|

 
وفقا لتحليل نشرته "الاقتصادية"، المستند في أرقامه إلى بيانات البنك المركزي السعودي، فقد ارتفع عرض النقود 0.44 في المائة خلال الأسبوع الماضي، و6.03 في المائة منذ نهاية العام الماضي حينما كان 1.985 تريليون ريال، بينما بلغ بنهاية الأسبوع الماضي مستوى 2.105 تريليون ريال، محققا مستوى قياسيا جديدا. ويبقى السؤال حول أهمية هذا التوسع النقدي، وهل هو مفيد للاقتصاد.

يجب إدراك أن هذا مؤشر ضمن مؤشرات اقتصادية عديدة، فهو ليس قرارا بذاته بل هو نتيجة لتفاعل قرارات اقتصادية من عدة قضايا مجتمعة، وفقا للتقلبات في أسعار الفائدة ومعدلات الخصم، وأيضا وفق السياسات الاقتصادية التحفيزية لمواجهة قضايا اقتصادية طارئة كما شهدنا خلال هذا العام من تفشي فيروس كورونا وتوقف كثير من المنشآت الاقتصادية، ما جعلها تخفق في الوصول إلى تدفقات نقدية من نشاطها الرئيس، وهو ما كان سيعرض هذه المنشآت إلى عجز في السيولة يهدد قدرتها على الحفاظ على الوظائف، وهو ما يعني انتقال الأزمة – لا قدر الله – إلى تعثر الموظفين في مقابل التزاماتهم الأسرية أو حتى التمويلية، ما سينقل الأزمة إلى مؤسسات أخرى لم تتأثر مباشرة بالتوقف أو تفشي كورونا لكنها تتأثر بتوقف الناس عن السداد أو الشراء.

وهذا الوضع يقود الاقتصاد من مشكلة التباطؤ إلى مشكلة كساد عميقة، تصعب معالجتها إذا أصبحت هيكلية، ولقد تعلم العالم من مشكلة الكساد العالمي، حتى مشكلة الأزمة المالية العالمية، أن التباطؤ في معالجة أزمة السيولة في الاقتصاد قد يجعل العلاج طويلا ومريرا. فالسيولة في الاقتصاد تشبه السيولة في دم الإنسان، تجب مراقبتها من أجل ضمان حياة صحية.

لعله من الجدير بالذكر هنا تلك العلاقة بين أسعار الفائدة والمعروض النقدي، والعلاقة هنا تبادلية، فكلاهما يؤثر مباشرة في الآخر، كما أنهما يتأثران بعوامل أخرى مختلفة، لكن من المؤكد أن انخفاض السيولة في الاقتصاد يؤدي بشكل آلي إلى ارتفاع سعر الفائدة. فالطلب على النقد الذي أصبح شحيحا يتطلب لجوء الباحثين عن النقد والسيولة إلى الموردين الرئيسين له، وهم البنوك ومؤسسات التمويل ولكن مع تزايد الطلب على النقد دون وجود سيولة كافية يعزز المخاطر ويرفع أسعار الفائدة.

وهنا يواجه الاقتصاد أكبر مشكلاته، حيث إن رفع سعر الفائدة بسبب ارتفاع الطلب على النقد يؤدي إلى مشكلات في تكلفة التمويل ويخفض الاستهلاك العام، ما يفاقم أزمة شح السيولة في المؤسسات الاقتصادية وبالتالي توقف قطاعات اقتصادية أخرى وهكذا تتفاقم الأزمة، وفي المقابل فإن التدخل المباشر من خلال خفض سعر الفائدة في ظل مواجهة السوق هذه المخاطر العميقة من شح السيولة يعرض المنشآت المالية إلى فقد السيولة ويعرضها للمخاطر والاقتصاد الكلي للصدمات، لكن الحل هنا هو المعالجة من خلال ديناميكية العرض والطلب، ولا بد للبنك المركزي أن يراقب المعروض النقدي لفهم الأسباب ومن ثم يعزز السيولة لدى البنوك فزيادة المعروض النقدي من خلال "سياسة نقدية توسعية"، لمقابلة الطلب الكلي، وهذه السياسة الحكيمة والرشيدة هي التي اتبعها البنك المركزي السعودي خلال أزمة كورونا. فقد أعلن البنك المركزي السعودي ضخ 50 مليار ريال لدعم السيولة في القطاع المصرفي مع تفشي فيروس كورونا لمواجهة شح السيولة الذي كان من المتوقع أن يواجه الاقتصاد السعودي نتيجة توقف الأعمال.

وهذا القرار المهم مكن البنوك من توفير الدعم والتمويل لمنشآت القطاع الخاص بأقل المخاطر ودون أن يؤثر هذا في سعر الفائدة التي بقيت متدنية، من أجل تعزيز الطلب الكلي، وهنا تم التحكم بجدارة في العلاقة المعقدة. فالسيولة المتوافرة تعزز دور المصارف في تعديل أو إعادة هيكلة تمويلاتها دون أي رسوم إضافية، ودعم خطط المحافظة على مستويات التوظيف في القطاع الخاص، إلى جانب الإعفاء لعدد من رسوم الخدمات البنكية الإلكترونية.

إنشرها