إدارة المخاطر منبع الابتكار والإبداع

|

أعوام طويلة من العمل والدراسة والقراءات، ذهبت حتى أقصى حدود فلسفة العلم ومنتهى درجات الشك، ثم انغمست في مفاهيم المراجعة والشك المنهجي والقلق الذي لا ينتهي، والمعايير وفجوات التوقع، ورحلة البحث عن المخاطر، وانتهيت عند مفهوم شائك وهو الأهمية النسبية، والحكم الشخصي للمراجع، ثم التخطيط الاستراتيجي، وخططت وشاركت وتنبأت، وانتهيت إلى طريق مغلق ينتهي عند مؤشرات الأداء التي نضعها اليوم وفق تجارب الماضي لنحكم بها على إنجازات وظروف المستقبل الغامضة، ولعل كورونا أوصلت رسالة واضحة عن المستقبل الذي نخطط له دوما ولا نعرف ما فيه على الحقيقة، ثم نعاقب ونكافئ على هذا الجهل المطبق.
وفي خضم هذه الرحلة وبين ضبابها، ظهرت الجودة في أكوام التوثيق، ومفاهيم رضا العميل، والكل أصبحوا عملاء، حتى أولئك الذين تحكمنا بهم لوائح وأنظمة لا فكاك منها. وبينما ترى مقار العمل كأنها فصول دراسية، وترى الميدان تحكمه اللوائح، ورضا العميل مجرد شبح بين الأوراق، نحاول أن نقتنع بوجوده، ثم تنتهي بك هذه الجودة إلى شعار معلق وشهادة ومكتب وواقع لم يتغير. لقد أمضيت عمرا بين هذه المفاهيم أبحث عن شيء اسمه الإبداع والابتكار، وفي كل صفحة من هذه الصفحات وكل يوم من أيام هذه الرحلة لم يتوقف الحديث عن دورها في الابتكار، لكني لم أعرف يقينا كيف أنجز ذلك، كيف أبتكر، كيف أبدع، كيف أفكر خارج الصندوق الذي لا أعرفه، وهل أنا فيه أم خارجه أصلا، وإذا كنت عاجزا عن مشاهدة الصندوق، فكيف أفكر فيما هو خارجه؟ إنها معضلة جيل بأكمله في نظري، جيل انهمرت عليه هذه المفاهيم، كأمطار عواصف الشتاء، باردة، مخيفة، مجهولة، مليئة بالرعود والوعيد، وليال طويلة. لكني اليوم، أقول وكلي ثقة بأنني رأيت الصندوق وأستطيع التفكير خارجه، لكن المسألة ليست بالسهولة التي توقعتها، أو يتحدث بها أصحاب تطوير الذات، المسألة كامنة جدا في مفهوم تحليل وإدارة المخاطر.
تحليل وإدارة المخاطر تفكير إبداعي بكل معنى الكلمة، أستغرب اليوم كيف يمكننا التخطيط الاستراتيجي دون فهم وإدراك المخاطر التي من المتوقع مواجهتها في المستقبل - إدارة المخاطر ليست التحليل الرباعي -، وكيف يمكن وضع مؤشرات أداء عادلة دون ذلك، وكيف يمكن بناء هيكل إداري دون فهم حقيقي وواضح لمعنى إدارة المخاطر، وكيف يتم تصنيف الإدارات وتعيين المديرين والأقسام والوظائف والمهام، ونحن لا نعرف على وجه الدقة ماذا علينا مواجهته في معركة البقاء؟ الحياة صراع ومنافسة على الموارد، حتى على القيم، صراع لا ينتهي وسينجح في البقاء من آمن به، وفهم كيف ينجو من نتائجه، كيف يكون الرابح وكيف يخسر إذا لزم الأمر، كيف يسأل سؤالا يريد أن يسمع إجابته، وكيف يتجنب السؤال الذي لا يريد أن يسمع إجابته. المنافسة فرص، والفرص نوع من المخاطر، تقلقنا وترعبنا، لأنها المستقبل الذي نجهله، لكننا نحتاج إليها لتحقيق أهدافنا، ولهذا فإن الناجين فقط هم أولئك الذي يأخذون المخاطر التي يمكنهم إدارتها.
وللفهم السهل لغير المختص، تصور أنك تريد شراء سيارة، ومعك مبلغ أقل من عشرة آلاف ريال، فإن أمامك خيارات كثيرة في السوق، بين المستعمل والمستورد والجديد في الوكالات، فإذا فكرت بمفاهيم الجودة، فإنك ستقوم باتخاذ قرارك بناء على رضا أفراد الأسرة، وإذا فكرت استراتيجيا، فإنك قد تقرر شراء السيارة ثم تقييم قدرتها على تحقيق أهدافك وبعد استخدامك لها، وذلك بمقارنة معايير استخدامك لها مع مؤشرات قياسية. لكن إذا فكرت من خلال المخاطر، فإنك سترى عالما مختلفا، لن ترى السيارة، بل سترى في يديك عشرة آلاف ريال، وترى هدفا هو النقل وليس السيارة، وسترى المخاطر التي ستمنعك من تحقيق تنقلك بسهولة، وقد تكتشف أن امتلاك سيارة لا يحقق هدفك ويهدر مواردك. في إدارة المخاطر، تصبح السيارة مجرد مورد وليست هدفا، وسترى مخاطر استخدامها، وسترى حينها مساحات من الفرص الأخرى، ومن بينها فرصك في التمويل الإضافي، وقد ترى حينها فرصا أخرى من العوائد والبدائل، وستكتشف عالما من الإبداع والابتكار.
تحليل المخاطر يجعلك تفكر فيما تملكه الآن وهدفك فقط، عندها تصبح الأمور في نصابها الحقيقي. لكن المخاطر تتطلب شجاعة في اتخاذ القرار، وهكذا هو الإبداع، وهكذا هو الابتكار، فإننا نواجه به مخاطر الحياة، لكن قلما نمتلك شجاعة القرار.
إنشرها