تكتل رقمي لاقتصاد جديد 

|

 
مع انتهاء أعمال قمة العشرين، التي عقدت في السعودية أخيرا، برئاسة الرياض، وتحدث في ختامها الأمير محمد بن سلمان، موضحا ملامح الاقتصاد العالمي في المستقبل، فإنه من الواضح أن العقد المقبل هو عقد الاقتصاد الرقمي.

وقد بدأت الإرهاصات مبكرا وسريعة جدا، وذلك منذ اجتماعات وزراء الاقتصاد الرقمي في مجموعة العشرين في تموز (يوليو) الماضي، تحت رئاسة السعودية، لمناقشة توظيف التقنيات الرقمية لاغتنام فرص القرن الـ21 للجميع. فالتحول الرقمي، الذي شهده العالم، وتسارعه حتى في الدول الأشد فقرا بسبب جائحة كورونا، ولد فرصا مهمة تفتح المجال للارتقاء بمعايير المستوى المعيشي، وأنتج فرصا جديدة للعمل، وعزز الخدمات العامة.

لكن هذا التحول الاقتصادي الضخم، الذي لا مفر منه تقريبا، يصنع تحديات الابتكار والمرونة والقدرة على التكيف، والدخول إلى السوق، كما يطرح أسئلة أخلاقية بشأن العدل وعدم التمييز، وحماية المستهلكين. وإذا كانت الرياض قد أطلقت هذه المرحلة الاقتصادية المهمة من تاريخ البشرية، من خلال توصياتها في القمة، وتبني المجموعة المبادرات المختلفة في هذا المجال، فإن العزم الذي تتحلى به السعودية اليوم، يجعلها في المقدمة تماما، فقد عملت المملكة مع كل من البحرين، والأردن، والكويت، وباكستان، على إطلاق "منظمة التعاون الرقمي"، وهي منظمة دولية على غرار منظمة "أوبك".

وإذا كانت منظمة "أوبك" تعنى بتطوير آليات لضبط العرض والطلب في أسواق النفط، فإن منظمة التعاون الرقمي، لا تواجه مشكلة العرض والطلب التي تواجهها "أوبك" ومثيلاتها، بل تواجه مفاهيم مختلفة، مثل الاستخدام الأمثل للبيانات والمعلومات من أجل بناء الأسواق الرقمية، وتمكين رواد الأعمال، والفجوة الرقمية، والابتكار. كما أن التعاون سيشمل قضايا، مثل تحفيز التواصل الرقمي والاتصالات بين دول المنظمة، خاصة في النطاق العريض.

وإذا كانت منظمة التعاون الاقتصادي قد صرحت في كتبها عن الاقتصاد الرقمي بأن اشتراكات النطاق العريض المتنقل في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تنامت من 32 اشتراكا لكل 100 نسمة في عام 2009 إلى نحو 113 اشتراكا لكل 100 نسمة في حزيران (يونيو) 2019، وتضاعف متوسط استخدام بيانات الهاتف المحمول أربع مرات على مدار أربعة أعوام فقط، وانخفضت أسعار خطط النطاق العريض المتنقل عالية الاستخدام بنحو 60 في المائة من 2013 إلى 2019.

وشكلت الألياف نحو 27 في المائة من جميع اشتراكات النطاق العريض الثابت في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وظهور منظمة التعاون الرقمي على الساحة الاقتصادية العالمية في هذا الوقت، سيضاعف هذه الأرقام على مستوى دول المنظمة من خلال تعزيز التعاون في جميع المجالات الرقمية المدفوعة بالابتكار من أجل تسريع نمو الاقتصاد الرقمي. وإطلاق المنظمة هذه المبادرة يعد دليلا كافيا على أن الاقتصاد الرقمي أصبح واقعا، وأن التحولات المقبلة تحتاج إلى تعاون وثيق من أجل إدارتها لمصلحة دول المنظمة، وهي كما أشار وزير الاتصالات وتقنية المعلومات بضرورة انتهاز الفرص لشبابنا وللمرأة ولرواد الأعمال، من خلال تنمية الاقتصاد الرقمي المشترك لدول المنظمة ليصل إلى تريليون دولار في غضون ثلاثة إلى خمسة أعوام مقبلة.

إن الاقتصاد الرقمي، اقتصاد مفتوح على جميع القطاعات الاقتصادية الأخرى، فهو قادر على التغلغل في ثنايا تلك القطاعات واستلاب الأسواق الطبيعية، ونقلها إلى الواقع الافتراضي، وإيجاد أساليب تسوق وتسويق جديدة تماما، ومبتكرة، ومساحة هائلة للنفاذ إلى الأسواق بين الدول.

ولهذا، فإن إنشاء هذه المنظمة سيوحد الجهود في مسائل مثل التشريعات، والضرائب، وتطبيق أنظمة حماية المستهلك، وتوفير فرص للابتكار ورواد الأعمال. وقد يصعب تصور شكل الأسواق وانصهارها في منصات وتطبيقات عملاقة، تجمع فيها دول منظمة وتسرع من وتيرة النمو، كما تستطيع من خلالها مواجهة المنافسة الشرسة من دول كبرى في هذا القطاع، مثل الصين. وكان لحضور هولين زاو أمين عام اتحاد الاتصالات الدولي، وبورغه برنده رئيس منتدى الاقتصاد العالمي، مناسبة إطلاق منظمة التعاون الرقمي، تأكيد دولي وتقدير لأهمية هذا الكيان الجديد، ودليل على أهميته في دعم جهود اتحاد الاتصالات الدولي.

إنشرها