Author

نظام الإحصاء المقترح .. وبعض الآراء

|

تحظى الإحصاءات عموما، والإحصاءات السكانية خصوصا، بأهمية كبيرة في التخطيط التنموي وإدارة المرافق والخدمات في الدولة، إلى جانب دورها المهم في الدراسات والبحوث التي تسهم في دعم القرارات والسياسات العامة. ولا تقتصر أهمية البيانات على ذلك، بل تعد الوقود المحرك للتخطيط على كل المستويات المكانية وتقييم الأوضاع الراهنة، ومن ثم وضع سياسات ملائمة واستراتيجيات فاعلة، وبرامج ومشاريع ناجحة، وكذلك رسم الاتجاهات المستقبلية من أجل غد مشرق، وفقا للأهداف التنموية الوطنية المنبثقة من رؤية 2030، إضافة إلى أهداف التنمية المستدامة الدولية SDG.
ومن الأمور الرائعة أن الهيئة العامة للإحصاء قامت مشكورة بوضع مسودة "نظام الإحصاء" في موقعها على شبكة الإنترنت لاستطلاع وجهات نظر المختصين والمهتمين والمستخدمين للبيانات، وقد أثار بهجتنا - معشر الباحثين - كمستفيدين ومستخدمين للإحصاءات أو البيانات ظهور هذا النظام إلى النور بعد طول انتظار، وبعد كتابات كثيرة حول الحاجة إلى هذا النظام الذي من المفترض أن يوضح حقوق وواجبات المستخدمين والجهات القائمة على الإحصاء. ولفرط الاهتمام بهذا النظام، تسرني المبادرة بإبداء بعض الملاحظات والآراء، لمعرفتي أن القائمين على إعداد هذا النظام يحرصون كل الحرص على معرفة وجهات نظر المهتمين والمستخدمين للبيانات، ومن أبرز هذه الملاحظات ما يلي:
1. جاءت مسودة "نظام الإحصاء" أقل من الطموحات قليلا، لأنها في الواقع لا تحدد ملامح نظام شامل للإحصاءات أو البيانات في المملكة العربية السعودية، وإنما تركز على تنظيم عمل الهيئة وعلاقتها بالجهات الحكومية والخاصة، إلى جانب المستخدمين للبيانات.
2. جاء النظام دون تحديد لعناوين كل مادة، ما أدى إلى وجود تداخل كبير بين المواد مع بعضها، لدرجة يصعب معها التمييز بين اختصاص كل مادة وأخرى.
3. يبدو أن النظام المقترح يخلط بين صياغة الأنظمة والإجراءات التنفيذية، ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في المادة الـ 11 وغيرها.
4. لم يحدد النظام مستويات سرية البيانات وتداولها، ولا معايير تحديد تلك المستويات أو المدة الزمنية اللازمة لإطلاق البيانات السكانية والاقتصادية والاجتماعية للاستخدام العام، كما هو الحال في بعض الدول، مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة.
5. استبعد النظام المقترح مصطلح "البيانات الخام" Raw Data وهو مصطلح معروف، ولجأ إلى مصطلح جديد هو "البيانات التفصيلية مجهولة الهوية" الذي يتسم بالعمومية، ويمثل في الحقيقة أحد معايير أو ضوابط تداول البيانات وإطلاع الآخرين عليها، علاوة على عدم الدقة في التعريف ببعض المصطلحات الأخرى.
6. في حين أن النظام يؤكد التزام الجهات الأخرى بتوفير البيانات للهيئة، فإن النظام المقترح لا يلزم الهيئة بتوفير البيانات للآخرين، خاصة الباحثين، فقد ورد في الفقرة الرابعة من المادة الـ 13: "يمكن للهيئة منح حق الاطلاع عل البيانات التفصيلية مجهولة الهوية للباحثين المعتمدين في بيئة محمية"، وكذلك ورد في الفقرة الأولى من المادة الـ 20: "يجوز للهيئة ... أن تمنح البيانات التفصيلية...". وعلاوة على هذه العبارات الفضفاضة، فإن النظام لم يوضح المقصود بالباحثين المعتمدين أو البيئة المحمية أو مفهوم الاطلاع وهل هو يختلف عن مفهوم الاستخدام؟
7. لم يتضح من خلال سياق هذا النظام مواكبته للتطورات التقنية واتجاهات الدول نحو ما يعرف بسجل السكان Population Register.
8. وردت عبارات تثير بعض التساؤلات التي لا يتسع المجال للإشارة إليها، مثل العبارة في الفقرة الثالثة من المادة الثالثة، وكذلك الفقرة (ج) من المادة الـ 13 والفقرة الأولى من المادة العاشرة.
9. كنت أتمنى أن يشير النظام إلى مؤشرات لقياس المردود أو الأثر المأمول من جمع البيانات على اختلافها، فليس من المناسب جمع بيانات من خلال مسوح سكانية ووضعها في الأدراج أو رقائق الحاسوب دون استخدام يذكر.
10. كنت أتمنى أن تحدد عضوية المجلس الاستشاري للهيئة ليضم بعض المختصين والخبراء وكذلك المستفيدين على حد سواء من رجال أعمال وباحثين في الجامعات ونحوهم، لأن الصيغة الموضحة في النظام تتسم بالعمومية.
في الختام، لا يتسع المجال لاستعراض مزيد، سوى الأمل أن نرى نظاما شاملا لجميع البيانات والإحصاءات في المملكة العربية السعودية، وليس مقتصرا على نطاق عمل الهيئة العامة للإحصاء.

إنشرها