أخبار

الملك عبدالعزيز: أنا رجل عمل إذا قلت فعلت

في مثل هذا اليوم، شهدت الجزيرة العربية حدثا غير مجرى تاريخها، وأسس لدولة قوية مترامية الأطراف، ونستعيد في هذا اليوم أيضا بطلا وحد البلاد تحت راية واحدة، امتلك صفات استثنائية، لا يتصف بها إلا القادة العظام.
صاحب خلق نبيل، وعقل راجح، وقلب كبير، ذو سيرة حافلة بمعاني الرجولة والأخلاق الحميدة، تلك صفات قيادية تجسدت في المؤسس الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - الذي حفلت مسيرته بالمواقف والأحداث، وامتلأت بها قصص المؤرخين والرواة، لتتفق على حكمته وبعد نظره.


صفات وشمائل المؤسس

يصف محيي الدين رضا في كتابه "طويل العمر الملك عبدالعزيز آل سعود" الذي رأى النور في عام 1950، الملك، كونه رآه في مجالسه، بأنه "رجل طويل القامة، صحيح الجسم، أسمر اللون، مهيب الطلعة، هادئ المزاج، كريم الأخلاق، حليم الطباع، طيب العشرة لطيفها، لا يغضب إلا نادرا، وإذا غضب، هلع الذين حوله، صبور شجاع جبار متواضع، يكره العظمة والكبرياء، رحب الصدر، يصغي إلى مخاطبه مهما كان شأنه، يستقبل جميع زواره بالبشاشة لا فرق عنده بين الكبير والصغير، يجذب جلساءه بعذب حديثه، وهو كريم فلا يرد سائلا، ويشرف بنفسه على توزيع إحسانه، وقلما يعتمد على حاشيته، وهو مضياف ويربو عدد ضيوفه على 300 نفس يوميا، ويجدون جميعا أسباب الراحة".
ولعل هذا التصوير الدقيق للمؤسس، يقف بنا على تصور كامل لصفاته وأخلاقه وشيمه وحنكته، ولا سيما أنه القائل "أنا لست من رجال القول الذين يرمون اللفظ بغير حساب، أنا رجل عمل، إذا قلت فعلت، وعيب علي في ديني وشرفي أن أقول قولا لا أتبعه بالعمل، وهذا شيء ما اعتدت عليه ولا أحب أن أتعوده أبدا".
تخبرنا الكتب والمخطوطات والوثائق التاريخية بالكثير عن تاريخ الملك عبدالعزيز المشرق، لكنها في كل مرة حينما نقرأها أو نسمع قصصها، تزيد من فخرنا بهذا الرجل القيادي، والأب الحنون، ليس فقط لأبنائه، إنما أب لكل مواطن سعودي.
كان الملك عبدالعزيز إنسانا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ومن هذه الصفة استلهم الكاتب الدكتور عبدالعزيز بن عبدالرحمن الثنيان اسم كتابه "إنسانية ملك"، الصادر عن دارة الملك عبدالعزيز، ويستذكر فيه مجموعة من المواقف التي تدل على سيرة عطرة لرجل امتلأ قلبه بالمحبة، يذكر في مقدمة طبعته الثانية قصة لقائه الملك سلمان "الأمير حينذاك" في عام 2011، الذي استحضر موقفا له مع والده الملك عبدالعزيز ووالدته، فدمعت عيناه.
يروي الملك سلمان الموقف بقوله "في ذلك الأسبوع الذي توفي فيه الوالد، كان مقررا أن أتزوج بأم فهد، لكن حين اشتد المرض على الوالد رأيت تأجيل الزواج، وكان الوالد يصحو ويغيب، وذات مرة فتح عينيه ورأى الدتي بجواره، فسألها لماذا لم تذهبي لحفلة زواج الابن سلمان، فقالت له الوالدة إن سلمان أجل زواجه وامتنع عن إقامة حفلته إلى ما بعد شفائك ألبسك الله الصحة والعافية، تقول الوالدة: وأطرق الملك وتمتم بالدعاء وفهمت منه قوله داعيا: الله يبارك في سلمان.. الله يبارك في سلمان، وصارت أمي تؤمّن على دعائه".


أبر الناس بوالده
يدلل هذا الموقف، ومثله جملة من المواقف على الوقار والمحبة بين الأب وابنه، والبر بالوالدين، وحول ذلك يقول حافظ وهبة مستشار الملك "إن عبدالعزيز من أبر الناس بوالده وذوي قرباه، كان يزور والده كل يوم، ويستشيره في مهام الدولة، ويطلعه على جميع الكتب التي يرسلها إلى حكام العرب وغيرهم"، وعندما تمكن الملك المؤسس من دخول الرياض، استقبل والده قادما من الكويت، وأعلن بكل أدب البيعة له في الجامع الكبير في الرياض، حاكما على البلاد، إلا أن والده نهض معلنا البيعة لابنه، لثقته به، فقبل عبدالعزيز، مشترطا جعل حق الرأي الأول في معالي الأمور المهمة لوالده الإمام.
ودون الرواة أن الملك عبدالعزيز كان مع والده الإمام عبدالرحمن بن فيصل في الحج، فطافا معا، لكن الإمام أدركه الإعياء والتعب في آخر أشواط الطواف، فحمل الملك عبدالعزيز والده على كتفيه ليتم بقية الشوط دون أن يترك ذلك لرجاله، ولم يكن بره بوالده أقل من بره بوالدته سارة السديري، التي اهتم بها ورعاها أكرم رعاية، وكان محبا لإخوته وأخواته، خصوصا أخته نورة، التي احتلت منزلة في نفسه، وكان ينتخي بها بقوله "أنا أخو نورة أنا أخو الأنوار"، ويزورها يوميا في منزلها.


ليس القلم بأكرم مني
وقد كتب الأديب السعودي الراحل فهد المارك، وهو قائد الفوج السعودي لإنقاذ فلسطين، كتابا سماه "من شيم الملك عبدالعزيز"، يتكون من ثلاثة أجزاء، تناول فيها كرم أخلاق الملك المؤسس وشيمه، ومن بين القصص التي ذكرها، قصة رجل جاء يشكو إلى الملك ما يعانيه من الديون التي تراكمت عليه وأثقلت كاهله، وليس لديه قدرة على أن يسدد ما يطلبه منه الدائنون، فأمر الملك بأن يحقق في أمره، وقد أثبت المحققون أن الرجل مطلوب منه مائة جنيه من الذهب، فكتب له على الفور بخط يده "1000" - ألفا - بدلا من أن تكون مائة، وعندما ذهب الرجل إلى "شلهوب" المسؤول عن المالية، نظر إلى المبلغ فوجده يزيد عشرة أضعاف على دين الرجل، فعاد شلهوب إلى الملك وأخبره بهذه الزيادة، فما كان من الملك عبدالعزيز إلا أن قال "ليس القلم بأكرم مني"، كان المبلغ في ذلك الوقت يقوم مقام مئات الألوف من الجنيهات في أيامنا هذه.
وعن كرم الملك عبدالعزيز، ذكر كتاب "شذرات ومواجيز من حياة ومواقف الملك عبدالعزيز" للشاعر والأديب الراحل أحمد بن عبدالله الدامغ، أن امرأة عجوزا استوقفته مرة في الطريق، وقالت "يا عبدالعزيز، أسأل الله أن يعطيك في آخرتك كما أعطاك في دنياك"، فسر الملك بهذه الدعوات أعظم سرور، وأمر بأن يعطى لها ما كان لديه في السيارة، فإذا بها عشرة أكياس، كل كيس فيه 500 ريال، ليصبح المجموع خمسة آلاف ريال، فلما أعطيت لها عجزت عن حملها، فأمر لها بذلول تحمل عليها هذا المبلغ، وأمر لها بخادم يوصلها إلى منزلها في قلب الصحراء.
وذكر خير الدين الزركلي في كتابه "شبه الجزيرة العربية" أن بعض الناس يقولون "إنك - أي يا عبدالعزيز - تعطي كثيرا، فلو اقتصدت"؟ فقال "إن الله عودني عادة أن يتفضل علي، وعودت عباده عادة أن أوسع عليهم، فأخاف أن أقطع عادتي، فيقطع الله عادته عني".


خصومه أخلص رجالاته
وصف عباس العقاد الأديب والمفكر المصري شخصية الملك عبدالعزيز بشهادته المنصفة "كان الملك عبدالعزيز عنيدا مع الأقوياء، متواضعا مع الضعفاء، لكنه كان يسمع الرأي الآخر، فإذا اقتنع به رجع إليه، لأنه اتخذ من الحق والشريعة إماما وحكما".
فمن صفات الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - طيبته والعفو والصفح، وفي ذلك عشرات القصص مع رجال القبائل ومن عادوه، يقول أمين الريحاني في كتابه "ملوك العرب"، "إن رجلا حضر أمام الملك، ليجيب عن ذنب اقترفه، وتحدث الرجل المذنب ودافع عن خطئه، وبعد أن سمع الملك منه قال: الحق علي لأني لم أحذرك، فلا أقاصك هذه المرة".
ويذكر الريحاني شاهدا آخر على عدله، حينما كان الملك يراقب قافلة أناخت بالقرب من مخيمه في العقير، وكان فيها جمل متعب، فطلب صاحبه، وأبلغه بأن يترك الجمل يرعى، ولا يعيده إلى القافلة رأفة به، وقال الملك للريحاني "العدل عندنا يبدأ بالإبل، ومن لا ينصف بعيره يا حضرة الأستاذ لا ينصف الناس".
ويكمل في هذا السياق كتاب "إنسانية ملك"، ويذكر مواقف وأحداثا عن عدل الملك عبدالعزيز، وقصته مع الرجل الذي استوقفه ذات يوم في مدينة الرياض، وقال له "أين عدلك يا عبدالعزيز"؟ فسأله الملك عن مشكلته، فقال له "إن سيارة أحد الأمراء دهمت إبله ونفق منها ثلاثة"، وطلب الملك إحضار الأمير إليه للنظر في الأمر، وجلس الأمير مع الرجل المشتكي أمام الملك للاستماع إلى ما حدث، وكانت المرافعة أمام الملك، وبعد سماع القضية من الطرفين حكم الملك، وأمر الأمير بدفع ثمن الجمال الثلاثة التي نفقت، وكان ثمن الجمل آنذاك لا يزيد على 300 ريال، وطلب الرجل ألف ريال عن الجمل الواحد، فقال له الأمير "سأعوضك بثلاثة جمال إذا"، لكن البدوي رد عليه "هب أنك أعطيتني ثلاثة جمال، أفليس علي أن أروضها حتى تأنس إلي وآنس إليها"؟ ودفع الأمير المبلغ، والتفت الرجل إلى الملك، وقال له "الآن تأكد لي عدلك يا عبدالعزيز".
يقول خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في إحدى كلماته، وهو أعرف الناس بتاريخ والده "من منهج الملك عبدالعزيز العفو عن الآخرين، حتى مع أشد خصومه الذين أصبحوا من أخلص رجالاته، بسبب إنسانيته وهدفه السامي الذي تجاوز حدوده الشخصية، ليشمل الدولة ذات المبادئ الإسلامية ومصلحة المجتمع".
وينقل أيضا خير الدين الزركلي في كتاب "شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز" قول الملك فيصل "إن والدي في تربيته لنا يجمع بين الرحمة والشدة، ولا يفرق بيننا وبين أبناء شعبه، وليس للعدالة ميزانان يزن بأحدهما لأبنائه، ويزن بالآخر لأبناء شعبه، فالكل سواء عنده، والكل أبناؤه، ويحب المباسطة على المائدة خلال تناول الطعام، ويمازح أبناءه وجلساءه، ويحادثهم أحاديث لا كلفة فيها".


حب للعراق ولبنان
كان الملك عبدالعزيز يكن للعرب كلهم حبا جما، وخص العراق بمحبة خاصة، وقال ذلك علنا للكشافة العراقية التي زارته عقب حج 1353، فقال لهم "أعاهد الله وأعاهدكم على أمور ثلاثة: أولا، الإخلاص لله والدين الحنيف، واتباع سنة السلف الصالح، سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الطاهرين، ثانيا، الإخلاص للعروبة، ثالثا، إن لحمي ودمي وعواطفي، وإن أولادي وجيشي، وجميع ما أملك هو للعراق، وفي سبيل العراق".وتابع الملك، في حديث وثقه الصحافي محيي الدين رضا في كتابه الصادر قبل 70 عاما "طويل العمر الملك عبدالعزيز آل سعود"، حيث قال "إن العراق هو جاري، وهو عزيز علي، ولقد حاربت في سبيل محافظتي على العراق، ولا أكتمكم أن العراق يحول بيني وبين شرور كثيرة، فمن اعتدى على العراق، فإنه لا يلبث أن يعتدى علي، ومن تغدى بالعراق تعشى بنجد، قلوبنا وقلوبهم واحدة، ونحن مستمرون في محافظتنا على صداقة العراقيين والمدافعة عنهم".
بعد استقلال لبنان، التقى الملك عبدالعزيز سليم بك تقلا وزير الخارجية اللبناني، وموسى مبارك رئيس ديوان رئيس الجمهورية، وذلك في روضة التنهات، وقال لهما "يا سليم، يا وزير الخارجية، ويا موسى يا طويل العمر، أنتما مسيحيان، وأنا مسلم، ولا يمنعني هذا من أن أحبكما، محبتي لأبنائي فيصل وسعود ومنصور وخالد، وإنني أتمنى للبنان تمنياتي لنجد والحجاز وسائر بلدان العرب من استقلال وحرية وسعادة، ولقد اعترفت باستقلال لبنان، بعدما وثقت بتغير حاله، وصيرورته سيد نفسه، فكونوا جميعا من نصارى ومسلمين يدا واحدة، ولا تتفرقوا، وعالجوا أموركم بالتساهل، وإني أبارك لكم استقلالكم، فأبلغوا سلامي إلى سكان جبلكم الأشم، وإلى أخي بشارة".


فلسطين عربية
يكن الملك عبدالعزيز لفلسطين وأهلها حبا واحتراما عميقين، وثقته الرسائل التي أرسلها إلى الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، حتى قال الأخير عن الملك بعد أن التقاه على متن حاملة طائرات أمريكية في قناة السويس "لقد فهمت من الملك عبدالعزيز في عشر دقائق عن قضية فلسطين ما تعذر علي فهمه في عشرة أعوام".
وليست تلك المناسبة الوحيدة التي أبدى فيه الملك عبدالعزيز تأييده للفلسطينيين وقضيتهم العادلة، ففي عام 1946، أثناء زيارته مصر، التقى الملك وفدا فلسطينيا، فقال - بحسب كتاب "إنسانية ملك" - لرئيس الوفد "إني أنا وأولادي وكل ما أملك فداء فلسطين وأهلها، فطمئن إخوانك عرب فلسطين المسيحيين والمسلمين أن فلسطين عربية، وستبقى عربية لأهلها العرب إلى ما شاء الله بإذنه تعالى".
وفي مناسبة أخرى، وفي الخطاب الذي ألقاه في المأدبة الكبرى التي أقامها لكبار حجاج بيت الله الحرام في مكة المكرمة في 9 من ذي الحجة عام 1364 الموافق 15 نوفمبر 1945، خصص الجانب الأكبر من خطابه للحديث عن قضية فلسطين، حيث قال - رحمه الله - "إن مسألة فلسطين هي أهم ما يشغل أفكار المسلمين والعرب في هذه الأيام، وهي المسألة التي يجب أن تكون موضع عناية الجميع ومدار اهتمامهم، ومع إنني لا أحب كثرة الكلام وأفضل العمل الصامت المثمر، فإنني أقول بصراحة إن السكوت عن قضية فلسطين لا يوافق المصلحة، وقد سبق لي أن تكلمت مع أركان الحكومة البريطانية كما تحدثت مطولا مع الرئيس روزفلت، وذكرت بكل صراحة الحيف الذي أصاب إخواننا عرب فلسطين، والإعنات والقهر اللذين خضعوا لهما، وطالبت وطلبت من الرئيس الراحل إنصاف عرب فلسطين، إن لم يكن بالمساعدات الفعلية فعلى الأقل الوقوف على الحياد، وعدم مساعدة اليهود عليهم".



النابغة الذي ألف إمبراطورية

كان المغفور له - بإذن الله - الملك عبدالعزيز رجلا حكيما، اهتم بحياته المؤرخون، عنه قال الكاتب الألماني إيميل سوايزر "1935"، "قد يكون الملك عبدالعزيز بن سعود الرجل العربي الوحيد الذي برز منذ ستة قرون في الجزيرة العربية".
فيما وصف جيرالد دوجورس عهد الملك عبدالعزيز قائلا "إنه ليصعب أن تتخيل تبدلا جذريا يتحقق في مثل ذلك الوقت القصير، حتى يمكن القول بكل دقة، لو أن قافلة أسقطت كيسا في الصحراء فلا بد من العثور عليه بعد ستة أشهر في الموضع نفسه، فالأمن في المملكة العربية السعودية مدهش، وهو أكثر شمولا لأمنه من أي دولة أوروبية".
ووصف الدكتور فون دايزل النمساوي، الذي زار المملكة عام 1926، الملك عبدالعزيز بالنابغة، وقال "إذا عرفتم أن ابن سعود نجح في تأليف إمبراطورية تفوق مساحتها مجموع مساحات ألمانيا وفرنسا وإيطاليا معا، بعد أن كان زعيما لا يقود في بادئ الأمر سوى عدد من الرجال، تمكن بمساعدتهم من استرداد الرياض عاصمة أجداده، لم يداخلكم الشك في أن هذا الرجل الذي يعمل هذا يحق له أن يسمى نابغة".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار