الحوكمة وآثارها في الحياة والعلاقات الإنسانية

|
كيف لمستوى الحوكمة في مؤسستك أن يؤثر سلبا وإيجابا في سلوكك وحياتك الشخصية؟ في البداية، وقبل أن أسترسل في الإجابة عن هذا السؤال، أود أن أؤكد أنني لم أجد دراسة علمية في هذا الموضوع، والسبب ذلك الفصل النكد بين فروع العلم في الجامعات السعودية، خاصة عند قبول الأبحاث للترقيات، فمن الصعب أن يقبل بحث في الحوكمة له أبعاد سيكولوجية على المجتمع أو الأسرة، ومن الصعب قبول البحث في أقسام علم الاجتماع من تخصصات وفرع المحاسبة وإدارة الأعمال، لكن مع ذلك، فإنني مهتم خصوصا بتلك العلاقات المتداخلة بين المجتمع وسلوك الأفراد فيه، وبين سلوك المؤسسات بمختلف أنواعها، وهذا الاهتمام يدفعني إلى التعمق قليلا في علم الاجتماع، وأحيانا في علم النفس. في اعتقادي أن المراجع الداخلي يحتاج إلى تدريب خاص في هذه العلوم والمهارات، لأنها تفسر له كثيرا مما يحدث داخل العمل، خاصة إذا كان يواجه تحقيقا، وقضايا داخل المؤسسة قد تكون لها أبعاد نفسية واجتماعية. لذا، فإن هذا المقال نتاج بحث خاص وكثير من القراءة والمشاهدة واللقاءات الحوارية في عديد من المؤسسات.
الحوكمة لها آثار في العلاقات الإنسانية والحياتية خارج وداخل المنظمات، وذلك أنها ترتبط بعوامل القلق والتهديد، فكلما كانت المنظمة ذات حوكمة قوية، تراجع القلق والتهديد اللذان يشعر بهما الفرد داخل المنظمة، وكلما تراجعت مستويات الحوكمة، زاد التهديد والقلق. كثير من الموظفين حتى التنفيذيين في المستويات كافة، لا يمكنهم العمل ضمن تنظيمات لم تتضح فيها المسؤوليات بدقة، من خلال هياكل تنظيمية ولوائح وإجراءات عمل واضحة، أو لم تتضح لهم الأهداف المطلوب منهم إنجازها ضمن استراتيجيات دقيقة تم إسقاطها بدقة على جميع الإدارات، فهذه الترتيبات الدقيقة تمكن الموظف من الخروج من منزله كل يوم وهو يدرك ماذا عليه القيام به وماذا عليه تجنبه، ويمكنه من خلال هذه المنظومة من العمل تجنب الضغوط التي تمارس عليه، ذلك أن الحوكمة تفرض إنجاز هذه الترتيبات كلها بناء على مستهدفات أصحاب المصلحة، كما أن العمل كله يسير متناغما بين الأطراف كافة، وهذا بلا شك يقلص الضغوط ويجعل الموظف متناغما مع مجتمعه وأسرته وفي منزله، والعكس صحيح، فعدم وجود ترتيبات للحوكمة تضع الخطط الاستراتيجية بدقة، سيؤدي إلى تداخل الأعمال والمشاريع والمستهدفات، ويصعد الصراع على الموارد في المنظمة عند أعلى مستوياته، ويجعل الفوز بها مجرد قوة الشخصية أو التحيز للأشخاص، وهذا يصنع القلق والتوتر ويهدد المنظمات.
الصراع على الموارد من خلال العلاقات الشخصية، أو التودد والمجاملات، يصنع التحيز في توزيعها، ويوجد صراعا شخصيا، ذلك أن الفوز بالموارد لم يعد تحيزا للأهداف، بل تحيزا للأشخاص، وهذا خطير للغاية. لذا، تأتي الحوكمة بكل خطوط الدفاع الثلاثة لتعالج هذه المسألة من جذورها، فلا تحيز إلا للأهداف، والهياكل التنظيمية السليمة أصبحت تمنع تركز الأهداف والموارد بيد الشخص نفسه أو المسؤول، فلا هدف ومورد بيد شخص واحد، ما يتطلب فصلا دقيقا بين من يضع الأهداف ومن يخطط لها ومن ينفذها ومن يمتلك الموارد، فتحديد الأهداف والمهام عمل أصحاب المصلحة، بينما الخطط الاستراتيجية لمجلس الإدارة، وعلى الرئيس التنفيذي والكادر الذي معه تقديم عرض الميزانية لتحقيق هذه الأهداف، من خلال الدور الواضح لكل إدارة دورها الرئيس في تحقيق الأهداف. لذا، فإن بناء الهياكل التنظيمية يأتي تبعا للأهداف والمهام المرتبطة، ويضمن وصول الموارد لمن يستحقها، ويخفف من القلق والتهديدات والتحيزات، وتتحول المؤسسة إلى بيئة عمل متميزة ومنتجة ومحفزة، وهذا ينعكس على سلوك الأفراد، وبالتالي أسرهم، فبيئة العمل ليست مجرد أرضية من الباركيه وجدارا من الورق مع استراحة للقهوة، بل مؤسسة منتجة لا يوجد فيها مكان للقلق. والعكس صحيح، فإذا وجد الموظف أن توزيع الموارد لا يتناسب مع التحديات والأهداف المكلف بها، ولا يستند إلى موازنة دقيقة، فإنه سيكون قلقا جدا حتى في استراحة القهوة الفارهة، ولن يحقق الأهداف رغم المكتب المزهر بالأشجار المنزلية، وسيتمكن منه الخوف من المساءلة والتهديد بالفصل لعدم تحقق المستهدفات والمؤشرات، وهذا يجعله يعيش قلقا ورعبا ينعكس بشكل صارخ على سلوكه في منزله ومع أسرته.
من الخطورة أن تعتمد المؤسسات على التنفيذيين الناشئين وغير المتمرسين، الذين يجعلون مؤشرات الأداء سيفا مسلطا، رغم دورها المقتصر على التقييم فقط، وذلك دون رصد حقيقي لما تمتلكه المؤسسات من نقاط قوة في الحوكمة أو ضعف، ثم يذهب الرئيس في الضغط بكل قوة لتحقيق تلك المؤشرات، من خلال السلوك المتنمر والسخط، والتهديدات المستمرة. ومع ذلك، فهذا الرئيس نفسه، نظرا إلى ضعف الحوكمة، يمارس تحيزا خطيرا في توزيع الموارد بشكل يؤثر في قدرة الإدارات على تحقيق الأهداف. هذا السلوك يمثل مصدرا لا ينتهي من الصراع والخوف من المستقبل، ينعكس على الإنسان وسلوكه خارج المنظمة، فترى كثيرا منا يفرغ هذه الضغوط في الطريق أو المحال التجارية، أو داخل الأسرة. لذا، فإن الحوكمة الجيدة تخفف من هذا السلوك العام، وتجعل الجميع يشعر بأن لديه أدوات تحمي من الرئيس التنفيذي، من خلال اتصاله المباشر مع المراجعة الداخلية، التي تضع لجنة المراجعة ومجلس الإدارة في الصورة لتصحيح الوضع. لكن مرة تلو أخرى، إذا كانت الحوكمة مجرد مظهر وتنظير بلا روح، فإنك قد تجد لجنة المراجعة متحيزة بذاتها للمكافآت، وتتهرب من مواجهة الرئيس التنفيذي، وتقذف بالموظفين وبالمراجع الداخلي في مواجهة مباشرة معه.
إنشرها