الثورة الصناعية الخامسة

|

أستاذ الطاقة الكهربائية المشارك ـ جامعة الملك سعود

فرضت الثورة الصناعية الرابعة واقعا مليئا بالفرص والتحديات والطلب على المهارات الجديدة وستوفر فئات جديدة من الوظائف لم تكن موجودة في السابق، لكن ستقضي بطبيعة الحال على كثير من الوظائف التقليدية، نتيجة الاعتماد على الروبوتات في القطاعات الإنتاجية. أدرك البعض مدى السرعة التي يتغير بها عالمنا، حيث تتم إعادة تصور وجودنا وتشكيله من يوم إلى آخر. مع هذه الوتيرة الهائلة نحو التغيير، لم يعد المستقبل يحدث بعيدا. إنه هنا الآن ويسير بسرعة أسرع من الضوء، لقد ارتبط مفهوم الثورة الصناعية الرابعة بالأتمتة وتقليل الأيدي العاملة والتوظيف الأمثل للذكاء الاصطناعي، حيث يقتصر دور العامل البشري على التدقيق والمراقبة. وعليه أسهمت الثورة الصناعية الرابعة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في رفع معدل البطالة، حيث إن فرص العمل منخفضة، بما قد يهدد الاقتصاد نفسه من جراء قلة مساهمة العمالة البشرية في الناتج المحلي الإجمالي.
تستطيع الثورة الصناعية الرابعة أن تحول الناس إلى روبوتات، لتحرم العالم بذلك من روحه وعقله كما أشار بعض التقارير الناقدة للثورة الصناعية الرابعة. إن تقدم التقنية جعل الجميع يعتمد عليها اعتمادا في كل المجالات، حتى في الشؤون الخاصة، ومنعها من التواصل المباشر مع الآخرين بسبب التزاحم التكنولوجي المثير. إن مظاهر الثورات الصناعية أصابت خصوصية الإنسان البشري واستمتاعه بالحياة بكل أشكال الضغوط والتوتر النفسي. وعليه فقدت البشرية بوادر صحتها الجسدية والنفسية وانخفض معدل الذكاء البشري بين أفرادها، منذ أن أصبحت الآلة منارة أو نظاما يقوم مقام البشر وأصبح الفرد في دور المتلقي، حتى في أبسط العمليات الحسابية. بينما نرى التركيز الإعلامي على أزمة المناخ العالمية في المؤتمرات واللقاءات العالمية مثل منتدى الاقتصاد العالمي، لا نكاد نرى أو نسمع الحديث الإعلامي حول أثر الثورات الصناعية الأربع المتعاقبة التي شهدها العالم الحديث. لقد ارتفعت مخاطر نزع الطابع الإنساني عن التقدم الاقتصادي، لدرجة أننا نواجه الآن تهديدا وجوديا من الناحيتين البيئية والإنسانية. إذا افترضنا مجازا أن الثورات الصناعية الأربع ساعدت على تحسين حياة الإنسان، فهل ستفعل الثورة الصناعية الخامسة الشيء نفسه؟ أو تعدل مسار الثورات الصناعية من الجانب الإنساني وتبقي على مسارها العلمي؟.
يمثل الحديث عن الثورة الصناعية الخامسة مجرد تنبؤ بالمستقبل، ولا بد من اتباع الطريقة العلمية والمنطقية المفترضة في أي عملية تنبؤ على كل حال. لكن البعض لا يزال يصر أن الثورة المقبلة ما هي إلا عصر ما بعد الذكاء الاصطناعي. بالفعل يحتاج العالم إلى ثورة صناعية خامسة لينمو مثل عصر النهضة الجديد. ليست ثورة علمية جافة فحسب لكن ثورة توازن بين الجانبين العلمي والإنساني. حيث من الممكن أن تتميز الثورة الصناعية الخامسة بإبداع وإحساس غير مسبوق، حيث العمل نحو الأهداف والشمولية. أعتقد أن الثورة الصناعية الخامسة ستكون من نصيب الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى الجمع بين الروبوتات والناس في مكان العمل والألفة بينهما، ولذلك ستشهد الموجة الخامسة إعطاء مزيد من المساحة إلى عالم الابتكار والإبداع، حيث تنقل الأتمتة مستويات الأداء عاليا والمدعومة من الذكاء الاصطناعي. إن الضوء المقبل من منارة المستقبل هو صعود الثورة الصناعية الخامسة، وعلى عكس الاتجاهات السائدة في الثورة الصناعية الرابعة نحو نزع الطابع الإنساني، فإن أفضل ممارسات التكنولوجيا والابتكار تتجه نحو خدمة الإنسانية والبشرية من قبل رواد الثورة الصناعية الخامسة.
إنشرها