الاتفاق على الأسعار يا هيئة المنافسة

|
لا شيء في الاقتصاد أكثر خطورة من فقدان الأسواق دورها في التسعير العادل. لقد حذر منه القرآن الكريم في سورة كاملة، وتوعد المطففين بالعذاب الشديد، وجاءت عبارات القرآن واضحة بالجمع، فلم يقل ويل لكل من طفف الميزان، بل جاءت العبارة بالجمع، فقال - جل وعلا - "ويل للمطففين، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون". وهذا يشير - بكل وضوح - إلى أن التلاعب بالمكيال والأسعار لا يمكن أن يحدث فرديا، بل يحدث بشكل جماعي واتفاق عام. وقد أرسل الله نبيه شعيبا إلى مدين لأن التجار كانوا يتفقون على الناس ويتلاعبون بحقوقهم، فالتصرفات الجماعية والاتفاق العام بين التجار في الأسواق على الأسعار بما يضر بالآلية الطبيعية لها، محرم في كل الشرائع والأنظمة، والأعراف والأخلاق. كان الإسلام حريصا على عدم وضع حدود للأسعار، فثبت عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه قال: غلا السعر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول الله، قد غلا السعر فسعر لنا. فقال: "إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، إني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد يطلبني بمظلمة في دم ولا مال"، وعلى هذا ذهبت النظريات الاقتصادية المعتبرة، وكثيرون يرفضون التدخل في الأسواق، بل يتركون الآيات تعمل بشكلها الطبيعي، لأن الضرر على التجار بشكل ما يتسبب لهم في الخسارة، سيكون سببا في خروجهم من الأسواق، ومن ثم في فقدان الوظائف واختلال التوازن بين العرض والطلب، وبالتالي حدوث مشكلات أخرى. وعلى هذا، سيكون دور الحكومة في كل مؤسساتها، المحافظة على هذا التوازن الطبيعي في الأسواق، كما نحافظ وندعو إلى التوازن البيئي، فالتوازن الاقتصادي مفتاح الرخاء والتقدم الحضاري.
هذه المقدمة الطويلة، التي من المتوقع أن تكون معروفة تماما عند كل اقتصادي، لكن أراها ضرورية، لأننا أصبحنا نشاهد، وبكل وضوح، كيف مكنت وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة "واتساب"، جميع التجار وعمالهم في كل الأسواق من الاتفاق على الأسعار في لحظة واحدة، وأمام أي زبون محتمل. وإذا كنا نريد تفصيلا في المشهد، فإن زيارة لأسواق السيارات المستعملة، تجعلك تصرخ من شدة التآمر على الأسعار، فما إن تدخل السوق حتى يستقبلك "الشريطية - كما يقولون"، ويكفي معرفة اتجاهاتك لفرض سعر معين عليك، سواء كنت بائعا أو مشتريا. فإذا كنت تبيع سيارة، فإن العرض الأول سيكون السقف، وكالسيف القاطع، لا يخرج الجميع عنه. وإذا تركت السيارات وذهبت إلى أسواق الذهب، فإنك تجد اتفاقا واضحا على الأسعار، وليست المسألة تتعلق بالسعر العالمي المعلن، بل هناك أسعار في السوق تختلف تماما تحت أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، مثل المصنعية التي ترتفع وتنخفض أكثر من تذبذب أسعار الذهب نفسه. وإذا طابقت الأسعار العالمية للذهب مع الأسعار المطروحة في الأسواق، تجد فرقا لا تفسير له، كما أنه لا فرق لديهم بين ذهب 22، أو 21 و18، كلها تباع بالأسعار نفسها، والأدهى والأمر أنهم يزنون الزجاج بسعر الذهب نفسه. ومن يمر في جولة على المحال التي تبيع الذهب، سيجد ما يذهله من خواتم زجاج ضخمة مطعمة بقليل من الذهب تباع بوزن الذهب، وإذا رأيت، ثم رأيتهم ينزعون الزجاج من خاتم سيدة تريد بيعه، تطفيف في الميزان لا جدال فيه، وحدث ولا حرج إذا أخطأ أحدهم وخرج عن الأسعار المتفق عليها ثم عدت إليه بعد المقارنة، ستكتشف أنه قد عدل سعره، وهذا دليل لا شك فيه على اتفاق التجار بينهم في الأسعار على وسائل التواصل. والقصص في هذا لا تنتهي بين الناس عن أساليبهم في الاتفاق. وأستغرب حتى الآن، لماذا لا تضع وزارة التجارة لوحة واضحة لأسعار الذهب في كل سوق ولكل عيار منه، ولماذا تسمح للبائع بأن يخفي آلية احتساب السعر، وأثر الضريبة فيه. وليتهم يطبقون آليات أكثر حزما كما طبقوها في المطاعم، مثل تحديد كمية الذهب في كل قطعة، وكمية الزجاج، وغيرها، ويفصل السعر للمشتري بكم اشترى الذهب وبكم الزجاج، على أنني أرى أن يتم بيع الزجاج مع الذهب كاملا.
ليس هذا المقال للذهب خاصة، بل لكل تجمع للتجار وموظفيهم وعمالهم في وسائل اتصال، لما لهذه المجموعات من شرور لا حصر لها، ومن بينها العمل على إحباط أشكال الرقابة كافة، فما إن يكشف المراقب نفسه لأي سبب في أي محل حتى يتم نشر ذلك على هذه الوسائل، ما يجعل الجميع في جميع السوق على أهبة الاستعداد. هذا يجعل الرقابة مكشوفة وروتينية، كما أنهم يحبطون جميع أشكال الرقابة على السعودة ومكان عمل المرأة، من خلال هذه الاتفاقيات والاتصالات. ولهذا، فإنني أطالب جميع مؤسسات الدولة الرقابية على الأسواق والعمال والعمل أن تراقب هذه الأساليب، وتحارب هذه الوسائل، كما أدعو الهيئة العامة للمنافسة إلى أن تبذل جهدا أكبر في اكتشاف هذه الوسائل وتجريمها، واعتبارها من الجرائم المعلوماتية إذا لزم الأمر، ذلك أنها تتسبب في مشكلات اقتصادية لا حصر لها.
إنشرها