تأثير الإنفاق الحكومي في التضخم

|
كان معدل التضخم في تموز (يوليو) الماضي هو الأعلى خلال بضعة أعوام، السبب رفع معدل ضريبة القيمة المضافة. وكتب عن هذه النقطة كثيرون. هذا ارتفاع مرتبط بالإيرادات الضريبية، فماذا بشأن الجانب الآخر النفقات. ما علاقة الإنفاق الحكومي بالتضخم؟
من المؤكد أن نمو الإنفاق العام لأي دولة يجلب قدرا من التضخم. ولرفع سوء فهم محتمل ليس هو الجالب الوحيد للتضخم. هناك أسباب أخرى. مثلا، انخفاض الدولار تجاه عملات مهمة كاليورو يجلب قدرا من التضخم في الدول المرتبطة عملاتها بالدولار كبلادنا. مع ملاحظة فرق بين الاثنين. نمو الإنفاق أمر داخلي، أما انخفاض الدولار فأمر خارجي.
إذا كان نمو الإنفاق الحكومي يجلب التضخم، فهل يعني ذلك أن يطلب من الدول تجميد الإنفاق؟
المطلوب ترشيده ورفع جودته وكفاءته. وهذا كفيل بالحد من الضغوط التضخمية. لماذا؟ لأن طلب مزيد ومزيد من الإنفاق سهل، لكن التعامل مع الزيادة بقدر عال من الفعالية والحكمة والرشاد ليس أمرا سهلا. لماذا؟ لأن الموارد لها حدود لكن رغبات البشر ليست لها حدود.
ولتوضيح علاقة الإنفاق الحكومي بالتضخم، مطلوب فهم لآلية حدوث التضخم بلغة بسيطة.
حيث إن التضخم يعني الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات، وبعبارة مكافئة الانخفاض المستمر في قيمة النقود، فإن هناك قناعة بين الاقتصاديين في تحليلاتهم بأن التضخم الداخلي، أي: غير المستورد ينشأ من جراء تفاعلات بين متغيرات اقتصادية أهمها النقود - كميات النقود المتاحة بيد الناس، وبالذات النقود الورقية والحسابات المصرفية -، والإنتاج طلبا وعرضا.
لنبدأ بعلاقة النقود بلغة مبسطة قدر الإمكان. هناك علاقة ثابتة بين أربعة عناصر: الإنتاج أو ما يعرض من سلع وخدمات، والأسعار، وكمية النقود المتاحة في الاقتصاد، وحركة دوران أو تداول الأيدي لتلك النقود.
والمعادلة التي تربط بين هذه المتغيرات أن حاصل ضرب المعروض من السلع والخدمات بالأسعار = كمية النقود الموجودة في اقتصاد ما مضروبة بدورانها. والكلام عن فترة زمنية محددة.
وتبعا لذلك لو ضربنا كل الأسعار بالكميات المشتراة من السلع والخدمات، في اقتصاد ما مثل اقتصاد المملكة، وخلال فترة زمنية محددة عادة عام، فإن الناتج لا بد بالضرورة أن يساوي كمية النقود المتداولة مضروبة في حركتها أي سرعة دورانها بين الأيدي.
علاقة الطلب:
زيادة كمية النقود لا تأثير لها بطبيعة الحال في الأسعار إذا بقيت دون إنفاق، وهذا يعني جمودها أي عدم حركتها ودورانها. أما إذا تحولت إلى طلب عبر تداول النقود ويحصل ذلك من خلال إنفاق الأجهزة الحكومية والشركات والمؤسسات الخاصة وأفراد المجتمع، فإنها بصفة عامة وبعبارات مبسطة، ترفع مستوى الأسعار، عندما تكون نسبة الزيادة في كمية النقود أعلى من نسبة الزيادة في السلع والخدمات خلال فترة زمنية بعينها. أو ما معناه نقود كثيرة مقابل سلع قليلة.
ارتفاع الطلب له أكثر من سبب وسبب، لكن أقوى سبب في الدول النفطية الخليجية خلال فترات الطفرات السابقة هو ارتفاع الإنفاق الحكومي. لماذا؟
لأن اقتصادات هذه الدول تعتمد - بعد الله - على النفط أكثر من غيره، وهذه مسألة معروفة للقاصي والداني.
لكن كيف يكون هذا الاعتماد؟
عبر الإنفاق الحكومي، لأن إيرادات النفط في الدول الخليجية تتسلمها الحكومات، وليس القطاع الخاص، ولا تأثير لها في الاقتصاد المحلي دون أن تنفق.
الإنفاق الحكومي له تأثيران مباشر وغير مباشر:
التأثير المباشر يأتي من زيادة الطلب الحكومي المباشر على السلع والخدمات.
التأثير غير المباشر يأتي من جراء اعتماد الأنشطة بعضها على بعض "الحكومة تشتري سلعا وخدمات، وتتعاقد مع مقاولين لتنفيذ مشاريع، وتقديم خدمات صيانة، وتدفع رواتب لموظفيها، وكل هؤلاء يدفعون نفقات لآخرين وهكذا، في إطار مضاعفات".
خلال الطفرة السابقة التي استمرت نحو عشرة أعوام بدءا من 2004، ارتفع الطلب الكلي بسرعة أكبر من الإنتاج الكلي، وكان أحد أسباب انجذاب الأسعار إلى أعلى.
وبلغة الأرقام: توسع الإنفاق الحكومي توسعا كبيرا خلال الطفرات السابقة، وارتفع عرض النقود خلال تلك الطفرات ارتفاعا كبيرا. لكن نمو الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي كان بنسبة أقل كثيرا.
ماذا يعني ذلك؟ توافرت السيولة، وتوسع الإنفاق الحكومي وغير الحكومي بما يتجاوز بوضوح طاقة الاقتصاد الاستيعابية، وهذه أسباب رئيسة من أسباب التضخم. وكونها أسبابا رئيسة، أي إنها ليست الوحيدة.
لماذا كان نمو الناتج والاقتصاد أقل من نمو الإنفاق؟
أحد أهم أسباب كون طاقة استيعاب الاقتصاد دون المؤمل انخفاض الإنفاق الاستثماري الحكومي مثلا على البنية التحتية والإسكان ومشاريع المرافق العامة من نحو 25 في المائة من مخصصات الميزانية في كل عام من الأعوام الأولى من عقد الثمانينيات من القرن الميلادي الماضي، إلى نحو 7 في المائة في أواخر عقد التسعينيات.
وفي الآونة الأخيرة تكرر ما يشبه ذلك، ما أثر في أسعار العقار، والسكني خاصة. فكلنا نعرف أن الحصول على قرض الصندوق العقاري وفق طريقته القديمة يتطلب أعواما كثيرة من الانتظار. وهكذا تكونت قائمة انتظار طويلة للصندوق. وقد غيرت قبل نحو ثلاثة أعوام الطريقة القديمة إلى طريقة أخرى تتيح الحصول على تمويل في وقت قصير نسبيا لكل أو أغلب المتقدمين بمن فيهم من كانوا على قائمة الانتظار. وتزامن مع ذلك عامل آخر وهو انتهاء فترة انكماش اقتصادي مع ارتفاع أسعار النفط وتحسن مالية وإنفاق الدولة. نتج من الارتفاعين القروض والإنفاق الحكومي قفزة في الطلب. وأسهم هذان الارتفاعان في ارتفاع الأسعار، بعد فترة انخفاض. حتى لا يساء الفهم، مساهمة هذين الارتفاعين لا تعني حصر التأثير بهما.
إنشرها