هل تنامت ثروات شركات الاستقدام في زمن الكورونا؟

|
تابع العالم بأسره وقائع جلسة مجلس الشيوخ الأمريكي للتحقيق بشأن تنامي الثروات خلال أزمة كورونا، ونقلت وكالات الأنباء كيف تعرض قادة شركات أمازون وأبل وفيسبوك وجوجل لهجوم عنيف، من لجنة مكافحة الاحتكار حول استغلالهم قوتهم ونفوذهم في السوق لجذب مزيد من العملاء وتحقيق أرباح عالية عبر وسائل غير تنافسية. وأضع خطوطا حمراء تحت عبارة وسائل غير تنافسية، وأستغرب كيف مر هذا الموضوع بكل هذه الأهمية وهذا الزخم دون أن يجد تغطية مناسبة من وسائل الإعلام ولا مناقشات جادة من قبل المختصين، فرغم أن هذه الشركات تقدم خدمات غير مسبوقة للعالم، ورغم أنها شركات مساهمة ذات قوائم مالية منشورة ويمكن لأي شخص الاطلاع على نتائج أعمالها، كما يمكن لأي شخص أن يصبح مالكا لأسهمها في أي لحظة، إلا أن ذلك لم يمنع الكونجرس الأمريكي من اتهام قادة هذه الشركات بممارسات غير تنافسية، ورغم أن هذه الممارسات تجارية في الأصل، ولم يحصلوا على أي تمييز تشريعي يمنع غيرهم من دخول السوق، كما لم يحصلوا على امتيازات بأي شكل، ومع ذلك فإنهم يواجهون هذه التهم لأنهم استحوذوا على الشركات الأصغر واستخدموا بيانات المستخدمين لأجل الإثراء، ولاحظ كلمة الإثراء لتعرف ما يقلق الشعب الأمريكي والعالم اليوم. أقول هذا لأننا في حاجة اليوم إلى مقارنة هذه الحالة بشركات غير مدرجة في سوق الأسهم وتمتعت بتسهيلات حكومية كبيرة، ومع ذلك تعمدت رفع الأسعار خلال أزمة كورونا، أتحدث هنا عن شركات استقدام العمالة المنزلية خاصة، التي حققت تربحا بسبب أزمتي كورونا وتعليق الرحلات، التي جاءت مصاحبة لموسم رمضان والأعياد، حيث تحتاج فيها الأسر السعودية إلى دعم ومساندة العمالة المنزلية، فقد شهدت الأسعار ارتفاعا غير معقول، واستغلالا واضحا للوضع المهيمن ووضع التنافس غير عادل بالنسبة إلى المواطن الذي عليه الاستجابة لهذه الضغوط السعرية، خاصة إذا كان في حاجة ماسة إلى هذه المساعدة المنزلية. ومع ذلك، فإن هذه الشركات لم تخضع لأي فحص أو مساءلة من أي نوع أو جهة كما أعلم، فلم أجد خبرا أو تعليقا بشأن فحص تصرفات السلوك الانتهازي الذي قامت به هذه الشركات.
جميعا نعلم كيف نشأت هذه الشركات واستفادت من الوضع المهيمن، واستفادتها من تسهيلات حكومية فوق العادة للحصول علي التأشيرات، وأيضا الميزة الهائلة في حرية التسعير، وقد حددت في مقال سابق إلى أي مستوى وصلت أسعار الخدمات التي تقدمها هذه الشركات، حيث ارتفعت الأسعار بشكل جنوني ودون تبرير كاف. وقلت سابقا، إن النظرية الاقتصادية لا تفسر هذا الارتفاع من حيث العرض والطلب، لأن القول، إن ارتفاع الأسعار قد حدث بسبب زيادة الطلب مع انحسار العرض، قول مردود تماما، فنحن نعرف أن انحسار العرض يعزى فقط لنقص عدد العمال، وهذا معناه أن يرتفع سعر ساعة العمل التي يطلبها العامل نفسه، لكن هذا لم يحدث، فالجميع يعرف أن رواتب العمال لم تتغير، وأنهم حصلوا على القيمة نفسها، لكن الفرق في زيادة الأسعار ذهب إلى الشركة المشغلة، وهذا لم يكن له تفسير، سوى الوضع المهيمن واستغلال الأزمة. وهذه الأرباح الضخمة ستصب في محفظة الشركاء المعدودين على أصابع اليد الواحدة.
شركات الاستقدام من بين شركات عدة استغلت الأزمة بشكل حاد، وحققت أرباحا غير مسبوقة، رغم أنها لم تقدم خدمات توازي ذلك. ومثال هذا أيضا، تربح شركات التجزئة في قطاع الأجهزة الإلكترونية، حيث استطاعت هذه الشركات التربح من خلال استغلال تحول التعليم والعمل إلى نموذج الاتصال عن بعد، وفي أيام معدودة اختفت أجهزة الحاسب الآلي كلها من الأسواق، والأجهزة اللوحية ذات المزايا التي تدعم الاتصال عن بعد، بل إن هذه الشركات تربحت بشكل غير عادي من الدفع الفوري للمشتريات مع وعد بالتسليم خلال أيام، وامتدت بعد ذلك إلى أشهر دون أي تعويض للمشتري، ثم الطلب من المشتري "شفويا من خلال البائعين" بإلغاء العملية وسحب المبلغ، وذلك بعد أشهر من الانتظار. كان على البعض الذين لم يقوموا بذلك الانتظار دون تحديد سقف لمواعيد التسليم، وأي مختص في التمويل يعرف ماذا يعني تدفق ضخم من النقود دون تسليم بضائع، وكيف يمكن تحقيق أرباح طائلة من ذلك. كل هذه الأساليب تعد ممارسات للتربح والمنافسة غير المشروعة.
المشكلة أن نظام المنافسة لا يقدم دعما في هذا المجال، أو معالجة هذه الظواهر، فهيئة المنافسة تبحث فقط عن مظاهر الاتفاق على الأسعار، وتحقق في وجود الاحتكار بأساليب إحصائية غير داعمة، لكن معاناة الناس المباشرة التي تظهر بوضوح مع استغلال وضع مهيمن بالنسبة إلى المستهلكين تبقى دون تحقيق بشأنها، فلا يوجد في الاقتصاد السعودي منهجية لفرض سقوف على الأسعار من خلال تحليل التكلفة ومعرفة مصدر التربح بعد ذلك، وهل نشأ من أسباب تنافسية بحتة وجودة الخدمات أم نشأ من خلال إغراق اقتصادي، أو بسبب فعل احتكاري وهيمنة نشأت أصلا من الاستفادة من تسهيلات حكومية واجتماعية ومواقف سابقة. في اعتقادي أننا بحاجة إلى حوار وطني جاد بشأن هذه المسألة وأن يتم اتخاذ قرارات صارمة بشأن هذه الشركات عموما، ويتم إجبار كل الشركات التي تحقق وضعا تنافسيا غير عادي وأرباحا غير اعتيادية أن تتحول فورا وجبرا إلى شركات مساهمة، ولي في هذا مقال وعودة.
إنشرها