تعثر الشركات .. الدعم ومخاطر الائتمان

|

شهد العالم خلال الفترة الماضية، خاصة الفترة التي انتشر فيها فيروس كورونا، وعطل تحرك عجلات معظم دول العالم، إعلان كثير من الشركات إفلاسها وانسحابها من الأسواق تماما، نتيجة الخسائر التي تكبدتها من جراء هذه الجائحة التاريخية الخطيرة، لتوقف ضخ واستمرار إنتاجها اليومي.

ومنذ انهيارات الشركات العالمية الكبرى عام 2000، والنقاشات لم تنته حول تدخل الحكومات لإنقاذ الشركات. لقد كان انهيار شركة إنرون للطاقة، وما تبعه من إفلاس لعديد من الشركات التابعة والمرتبطة اقتصاديا، وكذلك انهيار شركة المحاسبة التي أشرفت عليها، وخروج آلاف العمال من وظائفهم وتأثر آلاف الأسر بذلك، كل ذلك يحمل الحكومات مسؤوليات اجتماعية كبرى، وهو النقاش الذي استمر أعواما، حتى جاءت الأزمة المالية العالمية، التي أطاحت بالمؤسسات المالية الكبرى حول العالم، وهو ما عزز المسؤولية الاجتماعية للحكومات تجاه هذه الشركات والعاملين فيها، وكذلك الشركات المرتبطة بها، خاصة المتوسطة والصغيرة.

ومنذ ذلك الحين، تحملت الحكومات مسؤولية إنقاذ المؤسسات الكبرى إذا كانت على شفا الانهيار، وظهر مفهوم "أكبر من أن تفشل"، أحد المفاهيم الاقتصادية الحديثة، التي أفرزتها الأزمات المالية والانهيارات المتلاحقة، الذي من خلاله يتم السماح للحكومات باتخاذ تدابير وقائية للحد من انهيار أي شركة قد يمثل انهيارها تهديدا للنظام المالي أو الاقتصادي، وتحملت مؤسسات دولية مثل مجموعة العشرين G20، إقرار أنظمة وتشريعات تحدد تلك المؤسسات التي يمكن تصنيفها تحت مفهوم "أكبر من أن تفشل"، وكيف يتم إنقاذ تلك الشركات والمؤسسات، وتبني مجلس الاستقرار المالي FSB تحديد ما تتضمنه تلك الأنظمة من تعليمات.

هذه الخطوات والنقاشات، تمت في الأعوام التي تلت الأزمة المالية العالمية، وذلك خشية حدوث أزمات أخرى في عالم أصبح مترابطا ومتشابكا بشكل يؤدي إلى ما يسمى خطر تأثير قطع الدومينو، وذلك عندما تنهار الشركات والمؤسسات الواحدة تلو الأخرى.

عندما كان العالم يناقش باهتمام قضايا تدخل الحكومات لإنقاذ شركات معينة، وعندما كانت تعقد الاجتماعات على جميع مستويات لجان مجموعة الدول العشرين، لم يكن أحد يتصور أن يواجه العالم أزمة أخرى تشبه في حدتها تلك التي واجهها عام 2008. لكن فيروس كورونا لم يمهل العالم طويلا، فالإجراءات الاحترازية التي أوصت بها منظمة الصحة العالمية وأخذتها دول العالم على محمل الجد، أثرت بشكل خطير في التدفقات النقدية لعديد من الشركات على المستويات كافة، وهو ما يهدد العالم بانهيارات تشبه تأثر قطع الدومينو.

لذا، سارعت الدول إلى إقرار حزم من الدعم لمختلف أنواع الشركات. ومع ذلك، بقيت الأسئلة بشأن الأولى بالرعاية والإنقاذ. فقط تلك الدول التي استطاعت المضي قدما في التشريعات ذات العلاقة، وأوصى بها مجلس الاستقرار المالي، وجدت الطريق سهلا أمام القرار المتعلق بالإنقاذ، فالشركات التي لها تأثير في القطاع المالي والائتماني، ويتسبب انهيارها في حدوث أزمة مالية واقتصادية، هي التي سيتم إنقاذها بفعل هذه الأنظمة.

وعلى الصعيد العالمي، يتوقع التقرير انخفاضا 4.4 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي العالمي هذا العام، ويشير أيضا إلى أن الارتفاع الحاد في الكوارث الاقتصادية الناجمة عن كوفيد - 19، سينعكس بزيادة المخاطر الائتمانية للشركات على المدى القصير (من ستة إلى 12 شهرا).

ولهذا، فإن الحكومات أصبحت تطبق مفاهيم الاستقرار المالي، ومفاهيم الإنقاذ، وفقا لمعايير عالمية معتبرة. وفي هذا السياق، أوردت "الاقتصادية" تقريرا ذكرت فيه، أن عدد حالات تعثر الشركات العالمية الكبرى، تضاعف على أساس سنوي في الربع الثاني من العام، وسجلت أكثر من 147 حالة تعثر في الربع الثاني من العام الجاري، وارتفع إجمالي حجم أعمال الشركات المتعثرة الكبيرة 138 في المائة ليصل إلى 106.9 مليار يورو، وبينما كانت أوروبا الأكثر تضررا حيث تعاني 64 حالة من حالات تعثر الشركات الكبيرة، جاءت أمريكا الشمالية بما يقارب 52 حالة، وفي فرنسا وحدها تم تسجيل 20 حالة تعثر للشركات الكبرى، ليصل الرصيد التراكمي إلى 4.4 مليار يورو.

ومن المتوقع أن تتأثر الولايات المتحدة خصوصا، بزيادة نسب التعثر 43 في المائة، و37 في المائة في بريطانيا، و24 في المائة في اليابان، و12 في المائة في ألمانيا، وقد تصل إلى 50 في المائة في تركيا، و44 في المائة في البرازيل، وهذا في مجمله يشكل جزءا بسيطا من موجة التعثر، التي قد تتزايد مع نهاية العام.

وعلى مستوى القطاعات الاقتصادية، جاء قطاع التوزيع الأكثر تضررا بتسجيله 37 تعثرا للشركات الكبرى في الربع الثاني، يليه قطاع الخدمات (24)، والطاقة (17)، والسيارات (13) ثم المنسوجات والملابس.

كما أن مستويات الديون في قطاع السيارات العالمي في ارتفاع. ومن المهم الإشارة إلى أن تعثر الشركات لا يعني بالضرورة إفلاسها، لكنها فقدت قدرتها على الحصول على تدفقات نقدية تسمح لها بمواصلة سداد الالتزامات المترتبة، لذا قد يلزم بعضها إعادة جدولة أو إعادة الهيكلة، وهذه القرارات يجب أن تتم بشكل متسق بين الشركات كافة لإيقاف خطر تأثير الدومينو، فلا تتم معالجة أوضاع الشركات الكبرى بينما تترك الشركات المتوسطة والصغيرة تواجه عاصفة من الالتزامات، التي تسببت فيها الشركات الكبرى.

لذا، فإن التطبيق الصارم لمفهوم "أكبر من أن تفشل"، يجب أن يسمح بأن تجد الشركات المتوسطة والصغيرة، دعما مناسبا للبقاء، وأن تنال نصيبها من الاهتمام والدعم الحكومي.

إنشرها