الإنجاز السريع وصناعة المكتسبات

|
تحدثت في عدد من المقالات السابقة عن تأثير سرعة الإنجاز أثناء القيام بالإصلاحات الإدارية، وعلاقة ذلك بالحوكمة وما نسيطر عليه وما لا نسيطر عليه من عوامل مختلفة. واستكمالا لذلك أفرد اليوم تفصيلا لمسألة الحفاظ على المكتسبات بل صناعتها كأولوية لمن يضطلع بممارسات الإنجاز السريع. نقصد بالإنجاز السريع هنا كل عمل يتم أداؤه برتم عال يقوم على تحقيق أكبر عدد من المنجزات والأهداف في مدة زمنية محدودة، لدرجة ينبغي عندها التنازل عن عدد من المكتسبات التلقائية التي قد تكون أقل أهمية للعمل في حينه. لهذا من يخطط لمثل هذه الأعمال يعلم أنه لا يقوم بعمل تأسيس كلاسيكي شامل بنفس طويل ووقفات راحة يوزعها كيفما شاء. في الحقيقة، أصبحت الصورة الأخيرة التي كانت تقام بها المشاريع والأعمال في السابق أشبه بالاستثناء اليوم، فالعصر عصر السرعة والإصلاح التصحيحي والتطويري دائما ما يتسم بسمات التسابق ومتطلبات الكفاءة العالية. وهذا بالطبع لا يعني نجاح ممارسات التنفيذ التي تتبع هذا المبدأ، بل على العكس لهذا الأسلوب مخاطره الكثيرة التي تقوض أحيانا كل الجهود والاستثمارات البشرية والمادية التي تستنزف لعمل ما.
عندما نتحدث عن صناعة المكتسبات وليس الحفاظ عليها فهناك نقطتان ينبغي التوقف عندهما، أولا، ماذا يقصد بالمكتسبات؟ ولماذا نتحدث عن صناعتها وليس مجرد الحفاظ عليها؟ المكتسبات هي كل ما يمكن الحصول عليه ويعود بنفع وفق نتائج العمل المخطط له، سواء كانت مكتسبات أساسية مثل تحقيق الربح أو النجاح في تنفيذ مشروع أو عمل ما وما يتبع ذلك من حقوق مادية ومعنوية، أو مكتسبات فرعية مثل بناء المعرفة والعلاقات والسمعة والخروج بأدوات أو مناطق سيطرة محددة.
نضع صناعة المكتسبات كأولية قبل الحفاظ عليها لأن هذا هو الترتيب الطبيعي، ينبغي أولا صناعة هذه المكتسبات وفق الترتيب المخطط له، ثم بعد ذلك تأتي مسؤولية الحفاظ عليها. ما يحدث في العادة هو تحديد أهداف العمل بحدها الأدنى الذي يكفي للحصول على شهادة القبول من الطرف الآخر المنتظر للعمل، سواء كان مديرا أو مستثمرا أو عميلا. وتبقى بقية المكتسبات مجرد عملية تحصيل حاصل أو منتجات جانبية/ثانوية لا ينظر لها بعين الاهتمام. وقد يأتي بين الوقت والآخر من يكلف بمسح الأعمال السابقة باحثا عن هذه المكتسبات لرصدها وحصدها ومحاولة الاستفادة منها. وللأسف نادرا ما يمكن الاستفادة منها وإعادة استغلالها، وهذا ببساطة لأنها لم تصمم من البداية لتكون قابلة لإعادة الاستغلال وتحقيق الانتفاع.
من يبحث عن الأمثلة سيجد كثيرا وبشتى الأشكال، سواء كانت مباني مهجورة أو مشاريع عملاقة مسحتها ذاكرة التاريخ. بل إن هناك من الشركات من تمتلئ مستودعاتهم بأشياء لا يعرفونها، ومثل ذلك من تزدحم خوادمهم الإلكترونية وقواعد بياناتهم المبعثرة بأطنان من البيانات المكلفة التي لا يعرفون لها طريقا، فتكلفة تأهيلها أو ربما فهمها أكبر من أي مردود منظور حسب رؤيتهم وقدراتهم الحالية وكل هذا مما يمكن الوصول إليه، وغيره ما خرج من باب الهدر ولا يعد موجودا على الإطلاق.
لهذه الأسباب من الضروري على قادة التغيير وممارسي الإصلاحات الإدارية الذي يرسمون حدود العمل المستقبلي ويهندسون تفاعلاته داخل منظماتهم النظر إلى الآليات التي تمكنهم من صناعة المكتسبات ثم بعد ذلك الحفاظ عليها والاستفادة منها. حتى لا تكون الدورة ناقصة وكما بدأنا بصناعتها، فلا بد من تحديد طرق الحفاظ عليها والاستفادة منها. وهذا يعني تحديد الحقوق المادية والمعنوية الناتجة المرافقة لهذه المكتسبات، ويعني كذلك تحديد ما ينتج في السياق الداخلي المسيطر عليه، مثل الأدوات والمعارف والممارسات التي يمكن إعادة استخدامها داخل المنشأة، وما ينتج في السياق الخارجي للمنشأة، كالسمعة والعلاقات.
قد يقول قائل هذا عمل كبير ومجهود إضافي لا يكون في العادة ضمن أولويات أصحاب الإنجاز السريع، وهذا صحيح إلى حد ما. لكن بدونه، يظل الإنجاز السريع إنجازا مؤقتا هشا قليل النفع خصوصا خارج إطاره الزمني الأساسي الذي تكون فيه دائرة المحاسبة مفعلة. متى ما تغير الفريق الإداري أو اختلت دائرة المحاسبة على نتائج الأعمال أو تناساها الأطراف المؤثرون لوجود إنجازات سريعة أكثر إلحاحا أصبحت مجرد حقبة ماضية تستدعى على سبيل الذكريات وليس كمكتسبات يمكن البناء عليها. عمليا، لا يمكن وضع نصائح محددة لصناعة المكتسبات في زمن الإنجاز السريع، لكن وجود إطار لهذا المفهوم وآليات محددة على مستوى الوحدة الملائمة لكل منظمة (مشروع، منتج) لتصنيف المكتسبات من ناحية أهميتها للعميل والمستثمر ومن ناحية أولويتها للمشروع أو المنتج وأولويتها للمنظمة كذلك قد يفتح الباب نحو استكشافها بشكل جيد، وبالتالي التعامل معها في الوقت المناسب وليس بعد اختفاء ملامحها.
إنشرها