اغتيال بيروت ومسارعة الرياض

|

 
الانفجاران اللذان وقعا في ميناء بيروت، أكدا للمرة الألف وبأبشع برهان، أن لبنان كله ضحية، تصارع الكتل والأحزاب السياسية، فضلا عن فساد الطبقة السياسية. فهذه القوى السياسية أثبتت هي الأخرى وفي المناسبات كلها، أنها تعمل على تغليب مصالحها على مصالح الشعب اللبناني والوطن كله.

الانفجاران ما كانا ليحدثا، لولا الفساد المستشري في البلاد منذ أعوام، ولولا تحكم عصابة "حزب الله" اللبناني - الإيراني في مفاتيح السلطة في لبنان كله، ولولا الاستراتيجية الإيرانية التخريبية التي صارت عبر أعوام العنصر السائد على الساحة الوطنية، ولولا سيطرة "حزب الله" العميل، بقوة على المنافذ اللبنانية البرية والبحرية والجوية. انفجاران هائلان، ما كانا ليحدثا، لولا تماهي كتل سياسية بعينها مع حزب طائفي لم يضع يده في مكان إلا وخربه وزرع فيه الظلم. المملكة فجعت بما حدث، وأعلنت وقوفها بجانب الشعب اللبناني الشقيق في هذه الكارثة الفظيعة، التي لم يسجلها تأريخ البلاد، وهي التي لم تتأخر يوما عن نجدة لبنان، والوقوف إلى جانبه بعيدا عن أي اعتبارات.

وهي التي دخلت في حالة من القلق منذ اللحظة الأولى التي أعلنت فيها هذه الكارثة في الميناء البيروتي، وأسرعت على الفور، إلى التحرك من أجل تخفيف المصاب عن الأشقاء اللبنانيين. ورغم كل الفوضى السياسية، التي يعيشها لبنان، واقترابه من مستوى الدول الفاشلة، بقيت السعودية متمسكة بمساعدة الشعب هناك، على مختلف الأصعدة.

فما يهم الرياض شيء واحد فقط، لم تتراجع أهميته قيد أنملة لديها، وهو مصلحة الشعب اللبناني، وازدهاره وأمنه وسلامته واستقراره. وهي سياسة تطبقها منذ عقود، في علاقاتها مع بقية الدول العربية الشقيقة كلها. القيادة في المملكة أسرعت إلى النجدة من هذه الكارثة، وتحركت للتخفيف من آلامها عن الأشقاء اللبنانيين، ولسد احتياجاتهم، ولمؤازرتهم.

وكما كانت تفعل في أوقات السلم والأمن والاضطرابات، دفعت بآلياتها الإنسانية الحاضرة دائما، وفي مقدمتها "مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية"، الذي يقوم بمهامه الإنسانية في هذا الجانب في كثير من المواقع، ويشهد له بذلك من أجل لملمة جراح اللبنانيين، وسد متطلباتهم في هذه الظروف العصيبة، والتأكيد أنهم لن يكونوا وحدهم أبدا.

إنها استراتيجية المملكة القديمة المتجددة دائما، ليس فقط مع بلد كلبنان، بل مع أي بلد يحتاج إلى المساعدة والمؤازرة والمحبة والنجدة والأمل، ولا سيما الدول العربية والإسلامية، التي تستحق الاستراتيجية الإنسانية للمملكة.

وفي الوقت نفسه، تتحرك الرياض من أجل إيصال لبنان إلى بر الأمان في أقرب وقت ممكن، عبر أدواتها السياسية وتأثيرها القوي في الساحتين الإقليمية والدولية. لا يمكن لهذه الجريمة بحق شعب بأكمله أن تمر هكذا، فلا يعقل أن تخزن مواد شديدة الانفجار في ميناء مدني رئيس، بجانب مستودعات هي في الواقع مركز المؤن الطبية والغذائية للبلاد كلها. ولن يكون مقبولا لا عند اللبنانيين ولا المجتمع الدولي، تحميل المسؤولية لأفراد، على مبدأ "كبش الفداء". إنها جريمة فظيعة، وعلى المسؤولين الكبار والجهات التي تدعمهم أن يحاسبوا، والأهم أن تنتهي عملية اختطاف "حزب الله" الإرهابي العميل للبنان كله.

فالشهداء بالعشرات، والعدد مرشح بقوة للارتفاع في غضون الساعات القليلة المقبلة، والجرحى بالآلاف، إضافة إلى المفقودين.

وكما قال مروان عبود محافظ بيروت، إن ما حدث "أشبه بتفجير هيروشيما وناجازاكي" في نهاية الحرب العالمية الثانية. إنه تعبير مجازي، يختصر الحالة التي يعيشها لبنان في ظل الاحتلال الإيراني المباشر له، منذ أعوام. لن تترك المملكة الشعب اللبناني بمفرده، فقد وقفت إلى جانبه عبر عقود طويلة من الزمن، وطرحت المبادرات، وضمنت الاتفاقات، ونجحت في ذلك. اليوم، لم يعد الأمر محصورا في آثار انفجارين مدمرين فظيعين، بل في تحرير لبنان من احتلال طائفي دنيء، لم يأت للبلاد إلا بخراب تكبد فيه الاقتصاد مليارات الدولار في ظل المعاناة التي يواجهها لبنان، حيث يتطلب ذلك أعواما عديدة لإزالة آثاره.

ويبقى السؤال هل ستبقى الحالة السياسية في لبنان بعد الانفجار كما كانت قبله مرتهنة بقرار "حزب الله" المنفذ الأول للإملاءات الإيرانية، أم سيمتلك اللبنانيون قرارهم للنهوض ببلادهم من تحت الركام ؟ هذا ما ستوضحه الأيام.

إنشرها