هل تبقى الملاذات آمنة؟ 

|

يرتبط مصطلح الملاذات الآمنة بأوقات الحروب والأزمات الجيوسياسية والاقتصادية، وهو مصطلح يتعلق بالأصول التي يلجأ إليها المستثمرون خلال فترة عدم الاستقرار وارتفاع المخاوف في الأسواق، ما يقلق المستثمرين من قدرتهم على الوصول على الأموال واستخدامها أكثر من قلقهم إزاء العائد الذي من الممكن أن يربحوه من الأسواق. وتتخذ الملاذات الآمنة أشكالا مختلفة، بما فيها العملات والمعادن الثمينة، وفي مقدمتها الذهب الذي يشكل سيد الموقف في معظم الأوقات، وهو ما تشهده الأسواق اليوم مع ارتفاع سعره المتصاعد، والسندات وغيرها، ومنها أسواق العملات ذات السيولة العالية.

وهنا لا بد من الحديث عن وضع ضعف الدولار باعتباره عملة عالمية، حيث يعد ضعفه مشكلة كبيرة للاقتصاد العالمي، وآثاره واسعة وممتدة على المديين القريب والبعيد في ظل نزيفه المستمر في سعر هذه الأيام، التي لم يشهدها من قبل. فارتباط كثير من السلع الأساسية والمعادن في البورصات العالمية بالدولار، بدأ يشكل عبئا كبيرا على البورصات والسلع، فالسلع تواجه ثلاثة أنواع من ضغوط العوامل الاقتصادية، أولها ضغوط العرض والطلب، وهذه تتأثر بعوامل الوفرة والندرة، وكذلك مستويات التشغيل والإنتاج، وهناك ضغوط المضاربة، التي تتعلق بحالة السوق نفسها وبالتنبؤات حول المستقبل.

وهنا الارتباط مع الدولار، فأي تغيرات حادة في أسعار الدولار تنعكس سلبا وإيجابا على أسعار السلع، وهذا العامل الأخير، يعني أن أسعار السلع تتأثر بالدولار في الأسواق العالمية، الذي بدوره يتأثر بعوامل خاصة، مثل أسعار الفائدة، والتوترات الاقتصادية بين الحكومة الأمريكية، وغيرها في الداخل الأمريكي أو في الخارج. وفي بعض الأوقات تتراكم الضغوط من أكثر من عامل، حيث تكون هناك تغيرات في سوق السلع أو المعادن، وفي الوقت نفسه هناك تقلبات في سعر الدولار، ما يشكل ضغطا هائلا جدا قد يقود الأسعار إلى الهاوية أو الارتفاعات القياسية. وشهدت أسواق النفط قبل فترة مثل هذه التحديات الصعبة جدا، وانخفضت الأسعار بشكل حاد.

وفي المقابل، يواجه الذهب حالة معاكسة تماما، حيث إن الضغوط التي خلفها انتشار فيروس كوفيد - 19 في العالم، والإغلاق الواسع، تسببا في ضعف العوائد على أنواع الاستثمارات المتاحة كافة، وتنبؤات باستمرار ضعف العوائد إلى فترة ما بعد كورونا، حتى تستعيد الأسواق والشركات كامل عافيتها. لكن المشكلة القائمة الآن هي أن فترة ما بعد كورونا لم تبدأ بعد، ومن غير الواضح متى ستبدأ، نظرا إلى أن الجائحة لم تخف وتيرتها، كما أن اللقاحات والعلاجات لم تجد سبيلا إلى الأسواق بعد، وهذا يجعل فترة ما بعد كورونا تتأخر كثيرا، ما يفاقم الضغوط على الأسواق بشكل مقلق جدا. إن هذه الحالة الاقتصادية الراهنة، تجعل الذهب ملاذا آمنا للثروات، فهو على الأقل يخفف من التوتر بشأن ماهية المستقبل الاقتصادي، ويمنح قوة بشأن اقتناص الفرص. وكان العيب الرئيس في الذهب كملاذ آمن هو ضعف العوائد بشأنه، فهو لا يقدم تدفقات نقدية جارية.

ولهذا، يصعب الاحتفاظ بالذهب فترات طويلة للمنظمات التي تعتمد على عوائد استثماراتها لدفع المستحقات الجارية لديها، ومن ذلك مؤسسات التقاعد والتأمينات، فهي بحاجة إلى استثمارات ذات عوائد جارية. إذن، من هذا التصور، فإنه يصعب على الذهب تحقيق مكاسب كبيرة أو الحفاظ عليها، لكن مع ذلك فإن الظاهرة الاقتصادية تشير إلى أن الذهب قد سجل مستوى تاريخيا جديدا خلال جلسة 27 تموز (يوليو) الجاري عند 1945.3 دولار للأونصة، مقارنة بـ1921 دولارا المستوى التاريخي السابق المسجل في أيلول (سبتمبر) 2011. لقد سجل الذهب ارتفاعا 31 في المائة منذ تفشي كورونا، حيث كان سعره 1486.3 دولار قبل تفشي الفيروس.

وهذا يعود - كما أشرنا - جزئيا إلى الطلب على الذهب كملاذ آمن للتحوط من تقلبات الأسعار في الأسواق العالمية والتخوف من أثر الإغلاق الاقتصادي، وتوقف سلاسل الإمداد. وهذا الارتفاع يأتي رغم التطمينات التي انتهجتها مجموعة دول العشرين برئاسة المملكة، حيث جاءت قرارات القمة الأخيرة بمنزلة طوق نجاة، مع تعهد دول المجموعة بضخ نحو سبعة تريليونات دولار في الاقتصاد العالمي للتخفيف من آثار الأزمة التي لم يسبق لها مثيل. ومع ذلك، فإن القلق كان عاما. ورغم أن السندات التي يقدمها عديد من الحكومات أو الشركات تكون ذات عوائد، إلا أن القلق الذي عم الأسواق جعلها غير فاعلة كملاذ، فالحوافز المالية التي انتشرت مع الجائحة، ومستويات الديون الحكومية المتضخمة، زادتا المخاوف بشأن ارتفاع مستويات التضخم على المدى الطويل.

وهذا له آثاره التي لا تجهل بشأن تآكل قيمة العملات الورقية، وهذا القلق له ما يحفزه مع تراجع قيمة الدولار الأمريكي أمام سلة من ست عملات رئيسة، 8 في المائة. ومع أسعار فائدة منخفضة وسلبية، أصبح الذهب بديلا استراتيجيا للسندات، سواء كانت الحكومية الخالية، أو القليلة المخاطر، أو سندات القطاع الخاص الأعلى مخاطرة. وهذا الوضع المتأزم، أعطى الطلب على الذهب دفعة إضافية، وجعله يتغلب على المعوق الوحيد أمام الارتفاع القياسي، وهو انعدام العوائد، طالما كان المهم الآن المحافظة على رأس المال والاستثمارات أمام احتمالات جميعها سلبية.

إنشرها