التصحيح الإداري .. الجوهر قبل المظهر

|
يمر كل القيادات الإدارية اليقظة بعمليات تصحيح دائمة، قد تكون كبرى وشاملة وقد تكون محددة وجزئية. وكثيرا ما ينادي العقلاء بالموازنة بين الجوهر والمظهر، وهذا سليم إلى حد ما. فالمبتغى هنا عند كل برنامج تصحيحي، هو نقل الواقع إلى مرحلة مختلفة تكون أفضل من سابقتها. وهذا يعني تحسنا في جوهر الواقع الذي يشمل الأفكار السائدة، التي تؤسس العمل والأفعال الحقيقية التي تعكسها، ويعني أيضا تحسنا في مظهر الواقع الذي يشمل الكلام السائد والمستندات والأشكال وما يتبع ذلك من تفاصيل مرئية ومسموعة. الهدف من عملية الموازنة هذه البعد عن نتيجة وهمية للتحسين يكون فيها المظهر الجيد هو المسيطر، بينما جوهر التحسين والتصحيح ضعيف جدا، أو وضع غير فعال وتصحيح غير حقيقي.
عندما نتحدث عن التصحيح الإداري فنحن نتحدث عن كثير من الممارسات التصحيحية مثل: تحديث تنظيمات الحوكمة داخل مقر العمل، إعادة هندسة الإجراءات، رفع مستوى الكفاءة التشغيلية، السيطرة على التكاليف، معالجة مشكلات تنظيمية محددة. وللإنصاف، أثناء مرحلة التأسيس والتدشين لعملية التصحيح يكون المظهر أمرا مهما، فالحديث عن الأمر بالوسائل الرسمية وغير الرسمية يرفع مستوى الوعي المرتبط به، ويساعد على قبوله من جميع الأطراف. الاهتمام بالمستندات على سبيل المثال متطلب ضروري للتحقق والتأكد من القيام بالأمر التصحيحي تخطيطا وتنفيذا. ولا ننسى، أن الاهتمام بالمظهر قد يكون متطلبا لتحقيق العدالة، به تحصل مكافأة المجتهدين، ويعترف بالجهود، وتثبت الإنجازات وتنسب لأصحابها. بل إن الاهتمام بالمظهر شرط مهم لاستمرار التصحيح أو تطوره إلى مراحل متقدمة، فهو من أكبر المحفزات التي تحرك الفرق الجديدة والمواهب الناشئة على الاستمرار في مسيرة من سبقوهم ومحاولة تجاوزها والتقدم عليها.
إذن: النتيجة الأولى التي نستخلصها من عملية الموازنة بين المظهر والجوهر، هي أن الاهتمام بالمظهر ليس أمرا مخادعا لا أهمية له على إطلاقه، بل ضروريا لاستمرار عملية التغيير وتيسيرها والمحافظة عليها. المشكلة التي نعلق عليها دائما في كثير من المشاهدات بعبارات مثل مظاهر خداعة وإجراء شكلي هي مشكلة إفراط في الاهتمام بالمظهر على حساب الجوهر. يجب ألا يكون الاهتمام بالمظهر على حساب الاهتمام بجوهر الأمر وغايته. بالجوهر تتحقق نتيجة التصحيح، ويتغير السلوك والممارسات، وتتحسن النتائج، وهذا في كل الأحوال مشروط بسلامة افتراضات القيادة حول عملية التصحيح. لذا من المفيد أن ننظر إلى تفاصيل هذا الجوهر الثمين الفارق والمؤثر في رحلة التصحيح.
قد يكون من المناسب النظر إلى الموازنة بين الجوهر والمظهر بالتوالي. أي ننظر لهم كأمرين مستقلين يتم تفعيلهما بشكل متوال ومتعاقب. تكون البداية بالجوهر، بفهم مغزى الفعل وأهدافه، وإذا أثبتنا ذلك، ننتقل حينها إلى المظهر، بتدشينه وترويجه والاعتزاز به. ثم نعود مرة أخرى إلى الجوهر خصوصا في مرحلة ما بعد التطبيق post implementation. وهكذا، في تدرج مدروس من هذه المراحل يمكن الوصول إلى التوازن الجيد المطلوب، الذي يكون سمة للمراحل اللاحقة الأكثر استقرارا. لو أخذنا تطبيق إطار الحوكمة وإجراءاته مثالا - وهذا فعل تحسيني مهم ينتشر اليوم في كثير من الجهات العامة والخاصة - نجد أن تشرب قيمة الحوكمة كمفاهيم وممارسات مرتبط بجودة الأداء الهادف وتحسينه وليس مجرد متطلب نظامي فقط. من الأفضل أولا: - والكلام أسهل من الفعل هنا - تمرير هذا التفكير كأولوية على المتطلب النظامي. عند نجاح تعزيز هذه الأفكار تكون الاستجابة للمتطلب النظامي تحصيل حاصل، أو على الأقل أسهل بكثير من محاولة سد الثغرات استجابة للقواعد والأوامر الملزمة. التحدي الأكبر في هذا الجانب ينبع من أعلى الهرم وقدرته على استيعاب فكرة التوازن بين الضبط والانطلاق، بين الرقابة والنمو... إلخ. الإيمان بأن الحوكمة متطلب أساس للعمل التنظيمي الناجح، وليست من معوقات النجاح والانطلاق من سمات الاهتمام بجوهر الأمر وغايته.
لا يزال كثير من القيادات التنفيذية يعتقد أن المتطلب النظامي أقرب للحد الأعلى رقابيا، وهذا في حد ذاته مصدر قلق لهم، وحافز عكسي مثبط لتعزيز ممارسات الحوكمة، وهو كثيرا ما يرتبط بقدرة الوصول إلى التناغم المنشود بين العمل وضبطه، ويحفز تقديم المظهر على الجوهر، خصوصا في ظل سرعة المتغيرات وندرة الإمكانات، ويجعلنا نقول، إن التحسين الأخير مجرد إجراءات شكلية لا تسمن ولا تغني.
إنشرها