الكتابة مسؤولية فلنجعلها أفضل

|
ينقل عن سقراط Socrates، المفكر الإغريقي الشهير، قوله "تكلم حتى أراك". والمقصود هنا أن حديث الإنسان يعبر عن ذاته الداخلية، ومظهر الإنسان غير كاف للتعبير عنه، ولا بد من سماع حديثه كي تتكامل النظرة إليه وتعكس رؤيته الحقيقية. لكن هناك ملاحظة في هذا المجال تتلخص في أنه حتى نظرة سقراط في التعرف على الإنسان عبر حديثه، هي أيضا غير كافية. فحديث الإنسان عادة ينتج عن تفكير سريع يبحث عن استجابة فورية، ولا يرتبط بالتفكير العميق البطيء عادة، ما لم يكن الحديث معدا مسبقا، ونال بذلك ما يكفي من التفكير العميق، وعلى ذلك فإن النظرة العامة إلى الإنسان عبر محوري المظهر والحديث هي نظرة منقوصة، بسبب عدم النظر أيضا عبر محور التفكير الأكثر عمقا من تفكير الحديث.
ويأتي التساؤل هنا كيف ننظر إلى الإنسان عبر محور التفكير الأكثر عمقا؟ هنا يأتي دور النظرة إليه عبر محور الكتابة، فالكتابة تبعا لتعريف الكاتب وليم زينسر William Zinsser هي تفكير على الورق، ولو أنه بات في معظمه الآن تفكيرا على الشاشات المضيئة وليس على الورق. والتفكير اللازم للكتابة ليس ملاحقا باستجابة سريعة، بل هو تفكير أكثر عمقا، يقدم نظرة أوفى إلى الإنسان تزيد من التعرف على شخصه مقدمة إضافة جديدة إلى التعرف عليه عبر المظهر، أو الحديث كما أراد سقراط.
والتفكير الأكثر عمقا ليس عمليات ذهنية منطقية مجردة فحسب، أي ليس ناتجا عن عقل مستقل فقط، بل هو حصيلة تقدمها منظومة العقل التي تشمل إلى جانب العقل المؤثرات من حوله، بما يشمل على سبيل المثال لا الحصر: المعلومات المتاحة حول الموضوع المطروح، والتوجهات الشخصية بشأنه، وغير ذلك. فحصيلة التفكير في موضوع معين قد تختلف بين شخص وآخر نتيجة لهذه المؤثرات، حتى وإن اتبعا الأسلوب المنطقي ذاته في التفكير واستخلاص النتائج. ويضاف إلى هذا الأمر أيضا أن المواهب الذهنية للإنسان في هذا الموضوع أو ذاك تلعب دورا في مدى الإبداع الناتج عن التفكير بين شخص وآخر.
بعد ما سبق، لعل من المفيد في تعزيز قدرة الكتابة على التعبير، أن نطرح ونعلق على بعض الأقوال أو التوصيات التي طرحها عدد من الكتاب، والغاية من ذلك ليست التدخل في التفكير الذي ستطرحه الكتابة، بل السعي إلى طرحه بشكل أفضل يعبر بصورة أوضح عن شخص صاحبه. التوصية الأولى التي سنطرحها هنا هي من الشاعر وليم بتلر William Butler الذي يقول: "فكر كرجل حكيم، وتواصل بلغة الناس". تؤكد هذه النصيحة الحرص على سلامة التفكير، طبعا تبعا لتوجهات منظومة العقل لدى من يكتب، كما أسلفنا وتدعو النصيحة أيضا إلى صياغة يفهمها الناس، وهنا تأتي أهمية التعبير عن الأفكار بطريقة مبسطة يفهمها بوضوح المستهدفون بها.
ومن التوصية ببساطة الصياغة، ننتقل إلى التوصية بسلامة قواعد اللغة. تستند هذه التوصية إلى قول مأثور هو بمنزلة إنذار لغوي يكشف عن الأثر السيئ، الذي يمكن أن تواجهه الكتابة في حال عدم تقيدها الكافي بقواعد اللغة. ينص هذا القول على التالي: "تشبه قواعد اللغة النظافة الشخصية، حيث يستطيع الإنسان عدم المبالاة بشأنها بدرجات مختلفة إذا أراد، لكن عليه ألا يفاجأ، عندما يجد الناس يفهمون ما يريدون، أي لا يفهمون بالضرورة ما يريده الكاتب".
يشبه هذا القول قواعد اللغة بالنظافة الشخصية التي قد تختلف بين إنسان وآخر. فمهما كان الإنسان متميزا، فإن النظرة إليه لن تكون سليمة، إن لم يتمتع بقدر مطلوب من نظافة المظهر. ويتمثل هذا الأمر، في حالة الكتابة بحدوث خلل في فهم ما يكتب، إن لم تراع أساسيات قواعد اللغة. أي إن الكتابة يجب أن تكون نظيفة، تراعي قواعد اللغة، كي تنقل المقصود واضحا جليا، خاليا من الشوائب.
هناك أيضا توصية مهمة ثالثة بشأن الكتابة، ينبغي أخذها في الحسبان. وترتبط هذه التوصية بعلامات الترقيم. وهناك قول معبر في وصفها قالته الكاتبة لين ترس Lynne Truss. ينص هذا القول على التالي: "تمثل علامات الترقيم في النصوص لوحات وإشارات المرور على الطرق، تقول لنا: متى نبطئ، وماذا نلاحظ، وأين نتوقف. يبين هذا القول أن غاية علامات الترقيم توجيه القارئ تبعا لمتطلبات النص المكتوب، تمهل عند الفاصلة، وتوقف عند النقطة، وتحول عند علامة الاستفهام، وغير ذلك". بدون هذه العلامات تصاب القراءة بالفوضى وعلى ذلك فإن حصيلة التوصية هي أن على الكاتب أن يضع علامات الترقيم المناسبة لنصوصه، حرصا على سلامة قراءتها والاستفادة منها.
تبرز من خلال توصية علامات الترقيم، توصية أخرى رابعة ترتبط بحدود الجملة الواحدة في النص في هذا المجال، على الكاتب أن يعد الجملة، بالنسبة لعقل القارئ المتلقي كلقمة الطعام بالنسبة إلى فمه، فإذا كانت اللقمة كبيرة تعثر الفم في مضغها وبلعها، وربما شعر بالاختناق من ذلك، فرماها وتخلص منها. ويحدث ما يشبه ذلك مع الجمل الطويلة، فالعقل يتعثر، وربما يختنق في استيعاب مضمونها بالسلاسة المطلوبة لتلقي النص. وعلى ذلك، فإن صياغة الجملة يجب أن تحرص على هذا الأمر حرصا كبيرا. وتبرز في هذا المجال مسألة حسن استخدام علامات الترقيم التي تساعد القارئ على قراءة الجمل واستيعابها بسلاسة وسهولة.
نجد على أساس ما تقدم أن الإنسان لا يعرف بمظهره فقط، ولا بحديثه المعبر عن تفكيره التفاعلي السريع فقط، وإنما يعرف أيضا بتفكيره المتأني الأكثر عمقا الذي يقوم به عندما يكتب. ولا تحتاج الكتابة فقط إلى هذا التفكير، بل إلى بساطة في الصياغة، والتزام بقواعد اللغة، وحرص على علامات الترقيم، واهتمام بطول الجملة. ولأن الكتابة متطلب يحتاج إليه الجميع فلعل في هذه التوصيات ما يفيد الجميع.
إنشرها