هل الأسعار تنصف المزارع وتخدم الاقتصاد؟

|
لفت انتباهي خلال الفترة الماضية أربعة مشاهد استوقفتني، ويفترض أن تستوقف المعنيين عن الزراعة والإنتاج الغذائي: أول هذه المشاهد عمال يتخلصون من شحنة خيار في أرض فضاء، نظرا لعدم وجود زبائن يشترون هذه الكميات الكبيرة، أما المشهد الثاني فكان الحراج على كراتين من التمور إنتاج هذا العام، إذ لم يتجاوز السعر خمسة ريالات للكرتون، أما المشهد الثالث فكان حراجا على كميات هائلة من الطماطم، حيث لم يتجاوز السوم ريالا واحدا فقط.
المشهد الرابع كان حراجا على طائر صقر في مدينة حفر الباطن، وبلغ سعره الذي تنافس عليه الزبائن أربعمائة ألف ريال، وما من شك أنه مبلغ كبير، لقد استوقفتني هذه المشاهد كأنشطة اقتصادية تتفاوت في أهميتها، وقيمتها للإنسان، وبالتأمل في المشاهد الثلاثة الأولى تتضح أهميتها في حياة الإنسان كأغذية تحتاج إليها البيوت كقيمة غذائية في ذاتها، لكن مع الأسف السعر الذي أعطي لها لا يتناسب مع أهميتها، خاصة التمر الذي هو غذاء كامل يمكن الاعتماد عليه كلية فيما لو لم يتوافر غيره، حتى إن كثيرا من الناس يردد: أن البيت الذي لا يتوافر فيه التمر بمنزلة البيت الخالي من الغذاء.
الصقر لا يمثل قيمة غذائية في ذاته، مع أنه يستخدم لصيد الأرانب، والطيور القابلة للأكل، لكن لا يمكن عده مهما لكل الناس، بل من المؤكد أنه لا يهم إلا شريحة محدودة في المجتمع، وهي الشريحة الميسورة، وقيمته الكبرى تتمثل في أن رياضة الصيد تمثل هواية يتسلى بها من يمكن تسميتهم بالطبقة المخملية، كما لا ننسى أن هناك من امتهن مهنة الصقارة بيعا وشراء وصيدا لتمثل مصدر دخل لأصحابها، ولذا يطلق المثل: "من لا يعرف الصقر يشويه"، في تعبير صريح عن قيمته لدى عشاق هذه الرياضة، ولا ننسى المجازفة في شرائه بالمبالغ الطائلة التي تصل إلى الملايين أحيانا، حيث يمكن مرضه، وموته، وضياع ثروة كبيرة على صاحبه.
الصقر سلعة نادرة في المملكة، لكن لا قيمة اقتصادية على مستوى الوطن، فنحن لا ننتجه بالشكل الذي يسمح بتصديره للدول الأخرى لنحصل على عملات صعبة، والمتعاملون في هذه التجارة يستوردونه من الدول المنتجة له، وأحيانا يتم صيده في بعض الأماكن التي يوجد ويتكاثر بها رغم ندرته.
الزراعة مهنة شاقة، ومكلفة ماليا ومكلفة لمورد المياه الشحيحة في بلادنا، لكنها في الوقت ذاته مهنة مهمة لا يمكن الاستغناء عنها، إذ دون الغذاء يهلك الناس، ولذا فالأسعار التي أعطيت في المزاد على التمر والطماطم، ورمي الخيار لعدم وجود الزبون تتطلب من المعنيين دراسة أسباب انخفاض السعر، ذلك أن السعر لا يكافئ تكلفة الإنتاج، ولا القطف، والتسويق، ولا المياه التي استخدمت لإنتاجها.
هذه ليست دعوة للتدخل في رفع السعر، فسوقنا حرة تخضع لقانون العرض والطلب، (دعوا المسلمين يرزق الله بعضهم من بعض)، لكن من المؤكد أن المزارع خسران مع هذه الأسعار، لذا الأمر يتطلب التفكير في آليات تجعل من هذه المنتجات مسهما في تعزيز الاقتصاد الوطني بدلا من تحولها إلى هدر، وفاقد يضر المزارع والاقتصاد الوطني.
فهل يمكن لوزارة الزراعة والغرف التجارية والجهات المعنية بالإقراض التفكير في مشاريع، وإن لم تكن كبيرة لاستثمار هذه المنتجات، وغيرها التي تتوافر بشكل كبير في مواسم من العام في كل مناطق المملكة لحفظها عن طريق التبريد، أو حفظها بتعليبها؟ خاصة أن أسواقنا تمتلئ بالمنتجات المخللة المستوردة من دول شتى، مع ما قد يعتريها من مخالفة للمعايير الصحية، كزيادة نسب المواد الحافظة، أو عدم توافر النظافة، إضافة إلى أسعارها الغالية.
كما أن توافر وسائل نقل مناسبة في أسعارها لنقل ما يتوافر بكميات كبيرة في منطقة إلى المناطق الأخرى، يسهم في حل المشكلة وتوافر المنتجات الوطنية بشكل مؤسسي بدلا من ترك الأمر للمزارع أو الاجتهادات الفردية.
أعلم بوجود شركة مختصة منذ عام 1984 في النقل بين مناطق المملكة بالشاحنات، فهل يمكن استثمار هذا الأسطول البري لمعالجة مثل هذه الإشكاليات لمزيد من تمتين الاقتصاد الزراعي خدمة للمزارع والمستهلك، وحفظا للموارد؟.
إنشرها