رحلة الكتابة عبر الزمن وآفاق المستقبل

|
ميز الله تعالى الإنسان ليس فقط بالعقل والقدرة على التفكير واكتساب المعرفة والإبداع والابتكار فيها، بل بالقدرة على التعبير عنها ونقلها إلى الآخرين حديثا وكتابة، ما يؤدي إلى إطلاق إمكاناتهم في الاستزادة منها والإسهام فيها. ولم يقتصر دور الكتابة على نقل المعرفة نقلا مباشرا بين الناس في لقاءاتهم وحواراتهم، بل امتد أيضا ليشمل نقلها عبر الزمن بين الحضارات والأجيال، لتتراكم جيلا بعد آخر حتى وصلت المعرفة إلى ما وصلت إليه في الوقت الحاضر. ولتطور الكتابة عبر الزمن رحلة تستحق التعرف على مسيرتها نظرا لأهميتها، خصوصا أن وسائلها ما زالت تتطور باطراد حتى الآن، خصوصا أيضا أن الحاجة إليها في تزايد مستمر يتناسب مع التطور المعرفي المتسارع الذي يشهده الإنسان في هذا العصر. وهذا ما سنتطرق إليه في هذا المقال، بعد إلقاء الضوء على مسيرة تاريخ الكتابة في حياة العالم.
بدأت الكتابة قبل بضعة آلاف من الأعوام أشكالا تصويرية مختلفة ترسم على ألواح الطين والشمع والمعادن والأشجار، وتنقش على الحجارة، لتعبر عما يريد أصحابها قوله بلغاتهم المختلفة في أماكن شتى من العالم. ولعل بين أقدم الكتابات التي بقيت آثارها حتى الآن الكتابة المسمارية التي ظهرت في بلاد الرافدين واستخدمها السومريون، ثم استخدمها الآشوريون والبابليون أيضا. وتقول المراجع، إن بين هذه الآثار 130 لوحا طينيا معروضة حاليا في المتحف البريطاني. وفي موازاة الكتابة المسمارية ظهرت الكتابة الهيروغليفية في مصر الفرعونية، وكانت أيضا كتابة تصويرية بقيت مجهولة المعنى لأجيال طويلة حتى عام 1822 حينما فك رموزها عالم بصريات فرنسي بعد دراسته حجر رشيد، الذي جاء به إلى فرنسا عام 1799 جندي فرنسي شارك في الحملة الفرنسية على مصر، في ذلك الحين.
انتقل الإنسان من الكتابة التصويرية إلى الكتابة عبر أحرف تعبيرية مبتكرة تدعى أبجدية، صممت ليعبر كل حرف عن صوت محدد. على أساس ذلك تكتب كل كلمة بأحرفها المتغيرة لتطلق عندما تقرأ بصوت مسموع الصوت الذي تصدره، أي الصوت الذي يعبر عنها، فإن لم يكن صوت القراءة مسموعا للآخرين، فإن صداه يتجسد في ذهن القارئ الصامت. وتقول المراجع، إن أول أبجدية ظهرت في العالم كانت أبجدية أوجاريت المكونة من 30 حرفا وظهرت عام 1100 قبل الميلاد. وأوجاريت مدينة قديمة تعرضت إلى بركان مدمر وبقيت آثارها شاهدة عليها. وتقع هذه المدينة على الساحل شمال شرقي البحر الأبيض المتوسط قرب مدينة اللاذقية. وقد استخدمت هذه الأبجدية في وضع الأبجدية الإغريقية عام 430 قبل الميلاد.
على مستوى اللغة العربية ظهرت أبجديتها الأولى نحو عام 1000 قبل الميلاد في اليمن في فترة مملكة سبأ. لكن مملكة الأنباط في البتراء شمالي الجزيرة العربية وضعت أبجدية أخرى للغة العربية نحو عام 600 قبل الميلاد. وقد تبنت قريش هذه الأبجدية، حيث كتب القرآن الكريم أول مرة باستخدامها، وكان ذلك قبل تنقيط حروف اللغة. وفي عهد الدولة الأموية تم تنقيط حروف اللغة العربية لتسهيل تمييز الحروف، ثم تم وضع علامات لتشكيل حروف العربية حرصا على نطقها بالشكل السليم، وبالتالي تقديم المعنى المطلوب.
عبر ظهور الكتابة وتطورها، أفرز البحث عن وسائل سهلة يمكن الكتابة عليها إلى إيجاد الورق. أنتج المصريون القدماء الورق من لحاء نبات البردي وفعل ذلك الصينيون أيضا، لكن من نبات الخيزران ثم من القماش. وتطورت صناعة الورق ليصنع من السليلوز في الأشجار. وبقي استخدام الورق محدودا نسبيا إلى أن ظهرت مطبعة GUTENBERG في ألمانيا عام 1436 للميلاد، حيث بدأ تمكين الكتابات من النسخ بسهولة والتوزيع على عدد كبير من الناس. ويقول المؤرخون في هذا المجال، إن انتشار المطبوعات بشكل واسع بدأ في القرن الـ 17 للميلاد. وقد شهد القرن الـ 18، خصوصا عام 1728 للميلاد بداية الصحافة المطبوعة في أمريكا وشهد عام 1731 للميلاد افتتاح أول مكتبة عامة على يد بنجامين فرانكلين BEN FRANKLIN.
ونصل إلى الكتابة في العصر الذي نعيش فيه، حيث تستبدل أوراق الصحف والمجلات والكتب بالشاشات المضيئة والملفات الحاسوبية، التي يمكن تخزينها في مساحات صغيرة، ليصبح بالإمكان تخزين مكتبة من مئات الكتب في ذاكرات إلكترونية يضعها الإنسان في جيبه. فعندما نكتب نكتب أمام شاشات مضيئة، وعندما نقرأ نقرأ أمامها أيضا، وعندما نخزن لا نحتاج إلى خزائن وأرفف وإنما إلى وسائط إلكترونية صغيرة. لكن الأبجدية التي ظهرت أفكارها قبل نحو ثلاثة آلاف عام لا تزال معنا، وفي ذلك دلالة على أن ما نراه اليوم ليس وليد اليوم فقط، بل يعود أيضا إلى جذور معرفية تراكمت ليستطيع الإنسان من خلالها الوصول إلى ما وصل إليه.
ولعلنا نلاحظ، إضافة إلى ما سبق، أن الكتابة أمام الشاشات التي نألفها عبر لوحة المفاتيح بدأت تأخذ منحى آخر يتمثل في الاستجابة لما نتحدث به، فلا داعي للوحة المفاتيح، وصوتك وما تقوله يكتبه الحاسوب لك على الشاشة، دون أن تكلف نفسك طباعة الحروف على لوحة المفاتيح. ولا شك أن هذا الأمر يتطلب اكتساب لغة سليمة في الحديث، فضبط اللغة في الكتابة كان عبر الزمن أفضل من ضبطها في الحديث لدى معظم الناس. والنصيحة هنا هي أن نجعل حديثنا منضبطا لغويا كأننا نكتب، كي تحقق كتاباتنا ما نريده منها سواء في العمل، أو العلاقات الاجتماعية، أو إطار أي غاية أخرى.
وإذا نظرنا إلى المستقبل المنظور مع الكتابة في إطار تطور الذكاء الاصطناعي، فلعلنا نجد حديثا نقوله يظهر على الشاشات مكتوبا ليس فقط باللغة التي نتحدث بها، لكن بلغات أخرى أيضا يستطيع هذا الذكاء الترجمة إليها مباشرة. وإذا كنا قد تابعنا في هذا المقال مسيرة الإنسان مع الكتابة عبر العصور حتى آفاق المستقبل المنظور، فإن للمستقبل غير المنظور معطيات أخرى قد لا ندركها اليوم.
إنشرها