الضريبة والتداخلات بين المدارس الاقتصادية

|
كثيرا ما تدور نقاشات في المجالس أو في وسائل التواصل الاجتماعي عن الضريبة، والنقاش يدور حول القرار الصحيح بشأن الضريبة، هل هو الزيادة أم التخفيض، على أساس أن الوضع الاقتصادي هو الذي يجب أن يحكم القرار، فإذا كانت الأوضاع الاقتصادية تميل إلى الركود وهناك مؤشرات على الانكماش فإن البعض يرى ضرورة تخفيض الضريبة من أجل دعم النشاط الاقتصادي، وقد لاحظنا كيف اتخذت الحكومة البريطانية قبل أيام قرارها بتخفيض ضريبة القيمة المضافة إلى 5 في المائة، من أجل مواجهة الاحتمالات المتزايدة للانكماش نتيجة أزمة انتشار مرض كورونا، ولهذا يرى البعض أن هذا القرار حتمي، بمعنى أنه سلوك اقتصادي لا بد منه، وأن على جميع الدول أن تنحو نحو بريطانيا، لكن الأمر على غير هذا، والسبب يعود إلى بنية الاقتصاد الأساسية وطريقة تحفيزه المعتادة، وهنا أقول إنه ليس من الضروري أن يكون تخفيض الضريبة مناسبا للاقتصاد السعودي، وعندما أتحدث بهذه الطريقة فإنني أضع جانبا مشاعري كمستهلك يود تخفيض الضريبة دائما، لكنني أتحدث من وجهة نظر اقتصادية بحتة وما يهمني وأنا ألبس هذه القبعة هو التوازن الاقتصادي وعدم حدوث تشوهات هيكلية قد تصعب معالجتها في وقت لاحق.
الاقتصاديات العالمية اليوم توهت كثيرا عن تلك النماذج الاقتصادية التي كنا ندرسها في الجامعة، النظام الكلاسيكي والنيوكلاسيكي، والكنزي، حتى النظام الشيوعي والاشتراكي، كلها لم تعد واضحة المعالم، بارزة التمايز، خاصة بعد انبثاق التجربة الصينية بكل تفاصيلها التي ما زالت غير مكتشفة تماما، والتجربة الأمريكية فيما بعد الأزمة المالية، وتجربة الاتحاد الأوروبي بعد اليونان، كلها تشير إلى أن المساحات الفارغة بين المعسكرين الاقتصاديين تقلصت كثيرا وأصبحت هناك منطقة رمادية تجد فيها الصناديق السيادية المملوكة بشكل عام وهي تنافس بقوة ورشاقة الشركات الاقتصادية المبنية على أسس رأسمالية بحتة، وفي عالم اقتصادي بهذا الشكل فإننا نحتاج إلى دراسات اقتصادية جديدة تفسر العلاقات القائمة، لكن حتى ذلك الحين فإن الشعوب والحكومات أمام تحديات واقعية كبرى تتمثل في جائحة هائلة تطلبت توقف عجلة الاقتصاد تماما، وهذا لم يحدث قبلا، وهنا فإن التداخلات بين المدارس الاقتصادية تجعل من الصعب فهم نتائج أي قرار مسبقا، لكن القرار الأكثر توافقا مع حالة الاقتصاد قبل الأزمة هو الذي سيكون سيد الموقف، ففي الدول التي تعتمد أساسا في حركة الاقتصاد والتوظيف على القطاع الخاص، كما أن القوة الشرائية الأساسية تأتي من موظفي ذلك القطاع، فإن القرار الأسلم في المرحلة هو تخفيض الضرائب حتى إن أدى ذلك إلى تحفيض دخل الحكومة، خاصة أن الحكومة تمتلك شركات كثيرة تستفيد من التخفيض ومن حركة الاقتصاد وتدر دخلا إضافيا للحكومات، إضافة إلى أن قدرة الحكومة على التوقف عن العمل أو تخفيض ساعات العمل بشكل كبير لا تشكل عبئا كبيرا على الاقتصاد، وهنا نتذكر القرارات التي اتخذتها الحكومة الأمريكية مرارا بالإغلاق نتيجة خلافات حول الضرائب والميزانية، ومع توقف الحكومة لبضعة أسابيع كان الاقتصاد يعمل بنشاط، في مثل هذه الدول فإن تخفيض الضرائب خيار قائم للحفاظ على التوازن الاقتصادي.
في دول أخرى كالمملكة مثلا فإن الاقتصاد كان ولم يزل يعتمد على مستويات الإنفاق الحكومي، كما أن التشغيل الأساسي للعمال يأتي أساسا من المشاريع ومن التشغيل والصيانة ومن التعهدات الحكومية، ومعظم الوظائف في القطاع الخاص ترتكز أساسا على هذه العقود الحكومية، بينما العلاقات التبادلية بين شركات ومكونات القطاع الخاص لم تزل غير قادرة بذاتها على تشغيل الاقتصاد والعمال فيه، كما أن العمالة في القطاع الخاص ليست قادرة وحدها على ضمان بقاء القوة الشرائية الدافعة للاقتصاد للخروج من مآزق أزمة كورونا ومن الركود والانكماشات المتوقعة، ولهذا فإن بقاء الحكومة فاعلة والنشاط الحكومي فاعلا هو الضمانة الأساسية لبقاء التوازن الاقتصادي وعدم حدوث اختلالات هيكلية واسعة فيه تصعب معالجتها فيما بعد، ومن تلك الاختلالات الحادة ارتفاع مستويات البطالة مع إغلاق المؤسسات الخاصة لأعمالها أو تعليقها لفترة، وهذا الخلل قد يكون عميقا أكثر مما يبدو وقد تتطلب معالجته نفقات كبيرة، وكمثال لذلك فإنك ترى الأرض الزراعية منتجة والعمال فيها بنشاط، ثم يتم إهمالها مع خروج العمال منها حتى تبور، وعند ذلك تجد العودة إليها تتطلب نفقات كبيرة لاستصلاحها قبل عودة العمال إليها، وهذا هو واقع الأسواق فيما لو خرجت القوى العاملة منها، فإن عودة العمال إليها تتطلب نفقات إصلاح ضخمة. فالنشاط الاقتصادي في المملكة يرتكز أساسا على قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها لبقاء القطاع الخاص يعمل، فالتوازن بين مكونات الاقتصاد لم يزل يتركز عليها وتراجع دخل المالية العامة خطير على الاقتصاد، كما أننا ما زلنا بعيدين عن تحقيق تلك القفزة الاقتصادية التي فيها يتحرر الاقتصاد من هذا القيد على الرغم من أننا نعمل اليوم بكفاءة، لكن حتى ذلك الحين فإن الخطوات يجب أن تكون محسوبة بدقة خاصة في مثل هذه الحالة الراهنة.
إنشرها