ما قبل وما بعد كورونا

|
تسببت جائحة كورونا، كما نعرف جميعا، في قيود على الحركة، وتباعد بين الناس، وانتشار أخبار، وقيل وقال، وتغيرات في بيئات العمل وأداء الأعمال والخدمات المهنية أو الحصول عليها. كل هذه بالطبع لها تأثيرات قوية عميقة دينيا وبدنيا وعقليا وسلوكيا ونفسيا، وفي العادات وأساليب المعيشة. وستبقى بعض هذه التأثيرات ردحا من الزمن، وبعضها أحدث ويحدث تغييرا مستداما في طرائق وأنماط الحياة والمعيشة والتعامل بين البشر وبين الدول والمنظمات. ومن ثم فالموضوع طويل وهنا مجرد رؤوس أقلام، وخاصة في جانب التسوق الاستهلاكي. والتغيرات تطول أوجها عديدة.
نشهد تغيرات أثرت في أداء عبادات، على رأسها الصلاة جماعة في المسجد. ندعوه - سبحانه - أن يزيدنا إيمانا.
ونشهد تغيرات طالت مختلف النشاطات. تغيرات في طرق تلقي التعليم. تغيرات في ممارسة الوظائف الحكومية وغير الحكومية. تغيرات في ممارسة الأعمال وطبيعة الاستثمارات وأولوياتها، وفي نماذج الأعمال، تغيرات في أنشطة وصناعات. نشهد تقلص أنشطة وصناعات وتوسع أنشطة وصناعات.
على المستوى بين الدول، نشهد توسعا للحمائية ومزيد عناية في الاعتماد على الذات، وخاصة ما له صلة بالصحة مباشرة، على حساب العولمة.
ماذا بشأن التقنية؟ زادت أهميتها، بل صارت مفصلا. نشهد توسعا ومزيد تطور في الرقمنة واستخدام التقنية في التواصل بين البشر وأداء الوظائف. نشهد توسعا بقوة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
وهنا مجموعة نقاط للتفكير، بعضها على هيئة أسئلة، مع محاولة الإجابة عن بعضها توقعا. وسيكون الجواب أدق وأعمق من خلال دراسات ميدانية.
هل ما سبق زاد أم خفض الترابط الأسري؟ المتوقع زيادته.
هل قل أم زاد السهر؟ تناول الطعام، هل أصبح صحيا أكثر من ذي قبل؟ هل زادت قراءة الكتب؟ موضوعات للنقاش.
متوقع زيادة وقت وتوسع فيما يمكن تسميته بالترويح المنزلي سواء مشاهدة أفلام أو غيرها. ومتوقع زيادة نسبية في ممارسة المشي والرياضة البدنية التي لا تحتاج إلى أجهزة، مقابل انخفاضها فيما يحتاج.
هل زاد الاعتماد على الذات "النفس" في تلبية الحاجات؟ متوقع أنه زاد فيما له علاقة بالبقاء في المنزل.
هل توجد فروق فيما سبق بين الذكر والأنثى؟ فروق حسب العمر؟ متوقع. والجواب الأضبط يتطلب جهدا ميدانيا.
متوقع أن ساعات النوم زادت، مع البقاء في المنازل ساعات أطول.
ما قدر الاختلافات والتأثيرات بين المجتمعات والشعوب والدول؟ من الصعب المعرفة من دون تحليل متعمق كميا ونوعيا. وطبعا يختلف الأفراد في رد الفعل وفي التأثر وكيف كانوا من قبل وكيف يرون الوضع. ولكن وبصفة عامة، المجتمعات التي تقل فيها الأنشطة المجتمعية أصلا تكون أقل تأثرا.
هل يعود الاستهلاك كما كان؟ هل غير الوباء عاداتنا في التسوق؟
التسوق له جانب مادي محسوس. الذهاب إلى الأسواق يغري في حد ذاته بالتسوق، حتى لو كان الشخص أصلا لم ينوي الشراء. والكلام على أغلبية البشر. طبيعة النفس البشرية تدفع الناس إلى زيارة الأسواق ليشاهدوا بأنفسهم السلع المعروضة للبيع. قضية نفسية. والمشاهدة تزين للنفوس حب الشراء.
ماذا يعني ذلك؟ منع أو تقليص الحركة يقلص الرغبة في الشراء عند عامة البشر. حتى لو سمح بالحركة، يبقى الخوف هاجس كثيرين، ما يمنعهم من الذهاب إلى الأسواق. وهذا يفتح باب موضوع طويل بحد ذاته. أيهما أقوى تأثيرا: الامتناع عن الخروج اتباعا للتعليمات الرسمية، أم خوفا من المرض؟
يقول كثير من المهتمين والباحثين في السلوك الاستهلاكي إن الحضور إلى مكان التسوق "مثلا معرض سيارات، أو ملابس، أو أجهزة جوال وتوابعها، أو ...إلخ" هذا الحضور يعطي الشخص بعض الشعور بأن تملك ما يرى صار أسهل مقارنة بعدم الحضور. هذا الشعور يحثه على الشراء. طبعا الناس ليسوا سواء، وكثيرون يتركون المتاجر دون شراء. لكننا نتكلم عن مشاعر ورغبة في تحقيق المشاعر. ومن نتائج ذلك أن الناس في الغالب تشتري أشياء لم تكن تفكر في شرائها من قبل. وتقول بعض الدراسات إن نسبة كبيرة من المستهلكين ينفقون في المتاجر نسبة كبيرة "مثلا 50 في المائة أو أكثر" من المبالغ التي كانوا يخططون لإنفاقها قبل الذهاب. وتقول دراسات إن الناس في الأسواق ومع غيرهم ينتابهم نوع من ضروب أحلام اليقظة.
حجم الإنفاق الاستهلاكي في البلاد النفطية كبلادنا نسبة إلى الناتج المحلي يعد مرتفعا مقارنة بدول العالم. لماذا؟ من الأسباب، إن لم يكن أهم سبب، عامل السهولة النسبي. النفط يدر دخلا بصورة أكبر وأسهل مقارنة بمصادر الدخل الأخرى. وتبعا، تسابق العالم للتسويق أو العمل في بلادنا. ويرى البعض أن هذا كان من أسباب زيادة ضريبة القيمة المضافة.
حسنا، ماذا بعد السماح للأسواق بالعمل والسماح للناس بالخروج؟ يرى مختصون كثيرون أن الناس لم تعد كما كانت من قبل لسببين: الخوف من المرض ما زال قائما. والثاني أن التعود على التسوق الإلكتروني تمكن بعض التمكن من النفوس. وقال الأولون من شب على شيء شاب عليه. وهو أقل استغراقا للوقت.
إنشرها