الزعامة الاقتصادية بعد الجائحة تبدأ في أمريكا «2 من 2»

|
في وجود عدد قليل من خيارات تعزيز النمو الاقتصادي الحقيقي، شعر بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بأنه ملزم باتخاذ خطوات لم يكن من الممكن التفكير فيها سابقا التي تعمل بشكل متزايد على تشويه عمل الأسواق المالية، ما يؤدي إلى تفاقم اتساع فجوة التفاوت في الثروة وتشجيع الإفراط في خوض المجازفة من قبـل كل من المدينين والمستثمرين. وبدلا من كونه جزءا من الحل، يجازف الاحتياطي الفيدرالي الآن بإيجاد مزيد من المشكلات، بما في ذلك سوء تخصيص الموارد، وتكديس الديون، وعدم الاستقرار المالي، وكل هذا من شأنه أن يعمل على تقويض النمو.
لا يخلو الأمر أيضا من انعدام التوازن بين النوايا والنتائج في العلاقات الاقتصادية الدولية. ففي سعيها إلى جعل النظام التجاري العالمي أكثر عدالة، لاحقت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سياسات ثنائية تسببت في تقويض التدفقات التجارية. والآن أصبحت الولايات المتحدة أكثر الاقتصادات المتقدمة انتهاجا لسياسات الحماية.
في عموم الأمر، في الوقت الذي تتطلب فيه الأزمات المالية المتكاثرة التنسيق الوثيق لاستجابات السياسات على المستويين الفردي والجمعي، كانت إدارة ترمب حريصة على تحاشي التعددية. ومن منظور بعض الدول في آسيا بشكل خاص أصبح من غير الممكن على نحو متزايد التنبؤ بسياسة الإدارة الأمريكية، إلى الحد الذي أثار الشكوك حول متانة وموثوقية النظام العالمي الذي يعتمد في صميمه على الولايات المتحدة. على سبيل المثال، عملت الصين على التعجيل بجهودها الرامية إلى تعميق الروابط الثنائية والإقليمية حتى يتسنى لها تجاوز الولايات المتحدة، ولكن على حساب تفتيت النظام الدولي.
ينقسم صناع السياسات في الولايات المتحدة حول عديد من القضايا، ولكن من المؤكد أنهم يمكنهم الاتفاق على الرغبة في تحقيق نمو أسرع وأكثر شمولا وديمومة. وتتمثل الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذه الغاية على نحو مستدام في إقران تدابير الإغاثة القصيرة الأجل بسياسات مالية وإصلاحات بنيوية متطلعة إلى المستقبل وداعمة للنمو والعمل. وإلا فإن المشكلات التي يمكن التصدي لها في الأمد القريب، مثل البطالة المرتفعة، من الممكن أن تتحول إلى مشكلات أعمق جذورا وتصبح معالجتها أشد صعوبة.
من جانبه، يتعين على بنك الاحتياطي الفيدرالي أن يتوخى قدرا أكبر من الحذر في الكيفية التي يتدخل بها في الأسواق. فمن خلال توسعه المستمر في كل من نطاق ومدى برامج شراء الأصول، يجرد الاحتياطي الفيدرالي الأسواق من قدرتها على تسعير وتخصيص الموارد على النحو اللائق. وإذا لم يكن حذرا، فقد تنتهي به الحال إلى سحب البساط من دون قصد من تحت أقدام النظام الأمريكي القوي القائم على السوق، ودعم الشركات (الحية - الميتة) التي تتسبب في إضعاف الإنتاجية، ومزيد من تقليل احتمالات تمكن النمو الاقتصادي الحقيقي في النهاية من إقرار أسعار الأصول المرتفعة.
أخيرا، ينبغي لصانعي السياسات في الولايات المتحدة أن يعملوا معا لاستعادة زعامة دولتهم للاقتصاد العالمي، من خلال إعادة تنشيط مناقشات السياسة المتعددة الأطراف وتحسين أداء النظام العالمي القائم على القواعد. لتحقيق هذه الغاية، ينبغي للولايات المتحدة أن تعمل على إحياء الجهود المتعثرة لإصلاح إدارة صندوق النقد والبنك الدوليين، من خلال جعل التمثيل متماشيا مع الحقائق الاقتصادية الغالبة اليوم والعمل على زيادة موارد الصندوق.
كما ينبغي للدول الأخرى أن تمتنع عن التقليل من أهمية مثل هذه التغيرات لأدائها الاقتصادي. ذلك أن أي اقتصاد، مهما بلغ حجمه، من المرجح أن يتأثر بنمو الاقتصاد الأمريكي، والاستقرار المالي الدولي، والتأثيرات الجانبية المترتبة على السياسة النقدية. في ظل أزمة كوفيد - 19، أصبح تطور نموذج السياسة الاقتصادية العالمية ضرورة ملحة. ويتمثل التحدي الذي يواجه الدول الأخرى الآن في الحد من "مخاطر التنفيذ" التي تواجه أمريكا، من خلال بذل كل ما في وسعها لضمان شحذ دوافع النمو الذاتية التعزيز وإقامة نظام دولي أكثر عدالة.
خاص بـ "الاقتصادية"
بروجيكت سنديكيت، 2020.
إنشرها