الضريبة واتجاهات السوق العقارية

|
دخل سعر الضريبة الجديد حيز التنفيذ هذا الأسبوع، ولا أحد يمكنه القول إنه لن يكون لهذا أثر في قرارات الشراء. والقاعدة الأولى التي يجب إدراكها أن الضريبة متغير ثابت في قرارات الشراء كافة، وهي ليست متغيرا قراريا، فالتحول بين السلع او الانتقال من سلة شراء إلى أخرى لن يكن سببه سعر الضريبة "لأنها ثابتة بين جميع السلع"، فالمتغير المؤثر في القرار سيكون سعر الشراء الأساسي. بمعنى، أنه إذا كانت هناك سلعتان إحاهما بسعر 100 ريال والأخرى بسعر 90 ريالا، وكلتاهما تعطي المنافع نفسها، فإنه من المتوقع أن يتجه المستهلكون إلى السلع الأقل سعرا، وستخرج السلعة الأغلى من السوق تدريجيا، ومعناه "وهذه هي القاعدة الثانية"، أن مدى تأثير سعر الضريبة سيكون مرتبطا بوجود سوق تنافسية واختيارات واسعة من السلع، وهذا شهدناه في المرحلة الأولى من تطبيق ضريبة القيمة المضافة عند سعر 5 في المائة، فقد انعكست على الأسواق من خلال توفير بدائل عديدة ومنتجات مختلفة، كما أنها حفزت بشكل كبير الشراء الإلكتروني، نظرا إلى انخفاض الأسعار عند مستويات الجودة نفسها. هكذا هي الصورة في حالة تغيير سعر الضريبة الذي سيقود إلى تحفيز التنافسية، لكن بشرط أن تكون الأسواق أساسا ذات هيكل تنافسي.
لكن إذا كانت الأسواق احتكارية، فإن الضرر سيكون واسعا، فالسلع الاحتكارية ليس لها بدائل، ولن يضطر البائع لتخفيض الأسعار للمحافظة على حصصه في السوق، كما أنه ليس هناك فرصة أمام المشترين للبحث عن بديل، وهذا يجعلهم أمام قرارات الشراء أو عدم الشراء، ما يؤثر في مستويات الطلب الكلي في الاقتصاد، بينما قرارات البحث عن بديل لا تؤثر في مستوى الطلب الكلي، حيث يبقى الطلب الكلي فاعلا، لكن مع تغيير في تفاصيله الداخلية، وقرار الشراء أو عدم الشراء يؤثر حتما. وفي هذا، فإن زيادة سعر الضريبة مع سلع احتكارية، يعني ارتفاع الأسعار. وهنا، فإن شرائح الطلب والمستهلكين للسلع والخدمات المحتكرة ستتغير، فبينما تبقى شريحة قليلة قادرة على الشراء مهما ارتفع السعر، هناك شريحة ستخفض من كميات الشراء، وهناك شريحة ثالثة ستبحث عن بدائل أرخص، وهذا سيحدث عاجلا مع الأشهر الأولى لتطبيق الأسعار الجديدة، وتبدأ الأضرار بالوضوح في الأسواق الاحتكارية، فإما أن يتم تعديل الأسعار استجابة للتغيرات أو يحدث تدخل حكومي من أجل تحفيز الشراء لهذه السلع والخدمات حسب نوعها أو أهميتها أو يحدث تدخل من قطاع التمويل بتقديم تسهيلات قروض أو تعديل سعر الفائدة، وكل مسار له تبعات اقتصادية ليس هذا مجالها. من خلال ما سبق يمكن الخروج بقاعدة أساسية عامة، وهي أن الضرائب تنجح بصورة أساسية في الأسواق التنافسية، وستضر بشكل حاد في الأسواق الاحتكارية أو الاقتصاد الموجه عموما. وعلى هذا الأساس، فإن السوق التنافسية ذات السلع البديلة ستكون الأكثر انتعاشا مع رفع سعر الضريبة، وكلما توافرت سلع بديلة، كان النشاط الاقتصادي أكبر وفرص الاستثمار أوسع. فرفع سعر الضريبة سيكون له أثر واضح في تغيير هيكل الأسواق والتوجهات الاستثمارية وحركة رأس المال، بينما ستكون الأسواق التي تقل فيها فرص السلع البديلة الأكثر تضررا، وفي هذه القواعد العامة التي أشرت إليها، يمكننا فحص حالة ومستقبل السوق العقارية.
من خلال هذه القواعد العامة - التي اشرت إليها أعلاه - فإن السوق العقارية تعد - في نظري - سوقا واسعة، وفيها خيارات كثيرة، ولا يمكن من الآن تحديد مدى تأثر السوق العقارية في زيادة سعر الضريبة، والأمر مرده إلى توافر النماذج العقارية البديلة، وأيضا توافر الدعم الحكومي والتسهيلات من القروض وأسعار الفائدة. هذه العوامل جميعا لها علاقة مباشرة بالسوق العقارية والعرض والطلب عليها. وهنا بعض الافتراضات، فمع رفع سعر الضريبة وعدم تغيير أي عامل آخر، فإن الأغلب حدوثه هو تغيير تفضيلات المستهلكين من الشراء الحالي إلى تأجيل قرارات الشراء وانتظار ردة فعل البائعين والحكومة والبنوك. ولتعزيز هذه المناورة من المستهلكين سيتم تعزيز الطلب على المساكن المستأجرة، وقد تظهر منتجات تعزز ذلك، وذلك كلما طال بقاء الحال على ما هو عليه دون تغيير في قواعد اللعبة. ومع غياب عامل الابتكار، فإن الركود سيد الموقف فترة قصيرة، ولتحفيز السوق سيكون أمام صناع القرار خيارات، منها إعادة صياغة شروط التمويل، ومن ذلك إلغاء شرط الدفعة المقدمة، كما قد يتم تخفيض سعر الفائدة بحيث يتحقق من الأمرين تحفيف أثر زيادة الضريبة في الأسواق، وهذا هو الاحتمال الراجح حاليا، مع غياب احتمال زيادة دعم وزارة الإسكان.
إنشرها