التفاعلات بين الاقتصاد والسياسة «3 من 3»

|
عادة لا يأخذ خبراء الاقتصاد السياسي موقفا من القضايا الأخلاقية المعقدة، بل يسعون إلى فهم السبب وراء السلوك الذي تختار المجتمعات انتهاجه. ويمكن تفسير تفضيل السياساتhhgv الحكومية لمنتجي السكر والسيارات على حساب المستهلكين، بأن منتجي السكر أو السيارات أكثر عرضة للمخاطر وأفضل تنظيما مقارنة بالمستهلكين.
غير أن بعض المستهلكين يشكلون تكتلات بدورهم. فنظرا إلى أن السكر يستخدم في التحلية، ترغب الشركات الأعضاء في رابطة مستخدمي مواد التحلية أيضا في توافره بسعر رخيص. وضغطت شركة كوكا كولا وشركة هيرشي، وغيرهما، بالفعل من أجل تغيير سياسة السكر الأمريكية. وتساعد حقيقة وجود تكتلات قوية ذات مصلحة للجانبين على تفسير عدم ارتفاع الأسعار عن مستواها الحالي. وينطبق الأمر نفسه على المنتجات الصناعية.
فمصنعو الصلب يرغبون في الحماية - بينما لا يحتاج إليها مستخدمو الصلب - مثل مصانع السيارات. وهكذا، فإن السياسة التجارية ليست معركة بين الشركات الكبرى ومجموعة متفرقة من الأسر فحسب، لكنها معركة أيضا بين الشركات الكبرى، وإلا لكان من المتوقع أن تتمتع جميع الصناعات بالحماية وأن تخضع التجارة في كل مكان لقيود مشددة. في واقع الأمر، يدعم كثير من أصحاب المصالح القوية، التجارة والاستثمار الدوليين. فالشركات متعددة الجنسيات والبنوك الدولية تعتمد على حرية تدفق السلع ورأس المال. وينطبق ذلك تحديدا على الحقبة الحالية، حيث تعتمد كبرى شركات العالم على سلاسل العرض العالمية المعقدة. ففي الوقت الحالي، تنتج الشركات الدولية عادة مختلف القطع والأجزاء في عشرات البلدان، وتقوم بتجميعها في عشرات البلدان الأخرى، ثم تبيع المنتجات النهائية في جميع بلدان العالم. وتفرض الحواجز التجارية معوقات على سلاسل العرض، لذلك نجد أن معظم الشركات العالمية الكبرى هي أيضا من أكبر الداعمين لزيادة حرية التجارة. وخلال الـ50 عاما الأخيرة، تزايدت أهمية الاقتصاد السياسي في مجال الاقتصاد ومجال العلوم السياسية من خلال ثلاثة محاور:
- يحلل الاقتصاد السياسي القوى السياسية المؤثرة في الاقتصاد. يؤثر الناخبون والمجموعات ذات المصلحة تأثيرا قويا في جميع السياسات الاقتصادية تقريبا. ويعمل خبراء الاقتصاد السياسي جاهدين على تحديد هذه المجموعات ومصالحها، ودور المؤسسات السياسية في إدارة نفوذ هذه المجموعات على السياسة.
- يقيم الاقتصاد السياسي تأثير الاقتصاد في السياسة. الاتجاهات الاقتصادية الكلية إما أن تؤدي إلى تحسين فرص السياسيين، وإما إلى القضاء على فرصهم تماما. وعلى المستوى الاقتصادي الجزئي، يمكن أن تؤثر خصائص التكتل الاقتصادي أو النشاط الاقتصادي لشركات أو صناعات معينة في طبيعة نشاطها السياسي وتوجهه.
- يستخدم الاقتصاد السياسي أدوات الاقتصاد لدراسة السياسة. يمكن اعتبار أن السياسيين يماثلون الشركات، أو أن الناخبين كالمستهلكين، أو أن الحكومات مثل مؤسسات احتكارية تقدم السلع والخدمات للمستهلكين "الناخبين". ويضع العلماء نماذج للتفاعلات السياسية - الاقتصادية للتوصل إلى فهم نظري أدق للسمات الأساسية المؤثرة في السياسات.
وقد أثرت هذه المحاور الثلاثة تأثيرا عميقا في العلماء وصناع السياسات. ويمثل علم الاقتصاد السياسي مصدرا لا ينضب، سواء بالنسبة إلى المحللين الذين يعكفون على دراسة الآليات التي تحكم المجتمعات أو الراغبين في تغيير المجتمع.
دائما ما يتعين على صناع السياسات في المجتمعات التركيز على الانتخابات القادمة - وإلا ستتم الإطاحة بهم على الأرجح من مناصبهم السياسية. ويحارب الناخبون والمجموعات ذات المصلحة الخاصة على جانبي أي قضية معاركهم على الساحة السياسية. وتلعب آليات الاقتصاد السياسي دورا في تحديد الفائز في معركة السياسات.
وفي النظم الحكومية على الأقل، تمثل الانتخابات نقطة البدء المنطقية. وعندما لا يلبي القائمون على الحكومة مطالب ناخبيهم، يحول ذلك دون استمرارهم في مناصبهم فترة طويلة. لذلك، قد نتوقع أن تختار النظم الحكومي السياسات التي تعود بالنفع على الاقتصاد كله. لكن الاقتصاد كله لا يدلي بصوته. ويحتاج السياسيون إلى أصوات المواطنين الذين يقررون نتائج الانتخابات. ويختلف الناخبون ذوو الأصوات الحاسمة أو المحورية باختلاف المؤسسات الانتخابية والمجموعات الاجتماعية في كل بلد. ويفضل في معظم النظم السياسية استهداف الناخبين المتأرجحين غير المنتمين إلى حزب دون الآخر، الذين قد تتغير أصواتهم حسب سياسات المسؤول الحالي أو وعود خصمه. فإذا ما أدلى الفقراء بأصواتهم لمصلحة اليساريين، وأدلى الأثرياء بأصواتهم لمصلحة اليمينيين على سبيل المثال، سيكون للطبقة المتوسطة الصوت الحاسم. وفي الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، تركزت مجموعات الناخبين المتأرجحين الأكثر تأثيرا في المناطق الصناعية المتضررة في الغرب الأوسط الأمريكي، حيث يؤمن كثير من الناخبين في هذه المناطق، أن المنافسة الأجنبية أسهمت في تراجع قطاع الصناعة التحويلية. ويساعد ذلك على تفسير السبب وراء زيادة ميل المرشحين الرئاسيين إلى السياسات الحمائية، على الرغم من أن معظم الأمريكيين يؤيدون الانفتاح التجاري. علاوة على ذلك، دائما ما يتعين على صناع السياسات في المجتمعات المختلفة التركيز على الانتخابات المقبلة - وإلا ستتم الإطاحة بهم على الأرجح من مناصبهم السياسية.
ويساعد ذلك على فهم السبب وراء صعوبة قيام الحكومات بالإنفاق على سياسات لا تؤتي ثمارها إلا على المدى الطويل - مثل الوقاية من الجوائح والجاهزية لمواجهتها.
وهكذا، تكون اليد العليا لكتلة المصالح الخاصة والعامة في المجتمع. وتساعد المؤسسات على فهمها منطقيا. ففي البداية تأتي المؤسسات الاجتماعية - أي كيفية تنظيم المواطنين أنفسهم. فبعض الشركات والمزارعين والعمال منظمون بصورة جيدة ما يمنحهم نفوذا سياسيا أكبر.
وفي البلدان الغنية، نجد أن المزارعين عددهم قليل نسبيا، ومنظمون بشكل جيد، ويحصلون على دعم شامل تقريبا ويتمتعون بالحماية. أما في البلدان الفقيرة، فيوجد كثير من المزارعين الذين لا يستطيعون تنظيم أنفسهم إلا نادرا ويخضعون لضرائب شاملة. وفي البلدان التي ينظم العمال فيها أنفسهم في نقابات عمالية مركزية، كما هو الحال في بعض بلدان أوروبا الشمالية، يتيح لهم ذلك الاضطلاع بدور كبير في صنع السياسات الوطنية. وبالتالي، تؤثر الطريقة التي تنظم بها المجتمعات نفسها - حسب القطاع الاقتصادي أو المنطقة - في هيكل سياساتها.
إنشرها