كيف يخدع المراقب «2»

|
تحدثت في المقال السابق عن المراقب الذي يخدع أثناء قيامه بعمله، إذ يتهيأ له وفق ما يرى ويراجع أن الأمور على ما يرام، وهي ليست كذلك. وذكرت أن تفادي هذا النوع من الخلل يكون بفهمه الجيد لدوره وتوقعات الآخرين منه، إضافة إلى إدراكه لمسالك ومخارج المعلومة الملائمة، التي يحتاج إليها لصنع ملاحظاته وأحكامه. واليوم أود المرور على عدد من الصور التي يحصل بها هذا الخداع. استخدام مفردة "الخداع" ليس تحديدا لصورة محددة من هذه السلوكيات المشينة، بل هو مجرد عكس لعدد من التصرفات، التي تعرض فيها المعلومة من أجل الوصول بالمراقب إلى فهم مغاير للحقيقة، سواء كان هذا الخداع بنية إحداث ضرر أو من دون ذلك، سواء كان حافزه الحماية أو التكسب أو غير ذلك. مع الإشارة إلى أن الخداع قد يكون على صورة تلفيق وتجميل، أو تزوير وكذب، أو تغطية لاختلاس ونهب، وربما يكون مجرد تغطية لخطأ بسيط تصنع مع مرور الوقت والتراكم أخطاء مميتة.
أول صور خداع المراقب تحدث بالتلاعب في الفهم المشترك لدور المراقب. وهذا يحصل عندما يبدأ المراقب في التبحر في موضوع محدد، فيذكر من يقوم بتقديم المعلومات للمراقب - بعد أن شعر بالخوف من هذا التبحر - أن هذا خارج نطاق اختصاصك. وتصبح المشكلة حقيقية إذا كانت الوثيقة التي تشرح دور المراقب - وهي المرجع لمعرفة دور المراقب ومهامه المنوطة به - وثيقة غير ناضجة أو غير دقيقة. فيذكر للمراقب على سبيل المثال: "دورك مراجعة التقارير العليا، أما النظر في مواضيع جانبية أو متخصصة فهو من اختصاص الإدارة"، أو مثلا: "دورك كمراقب التأكد من جودة العمليات المالية التي تصل إليك في التقارير الرسمية، أما جودة المعلومات التي تستخدمها الإدارات الأخرى فهو أمر خاص بها". كثيرا ما تستخدم مثل هذه التبريرات التي تتفادى أدوار الرقابة بإيهام المراقب أنه يتجاوز دوره ويقفز على الإدارة أو فريق العمل، والحقيقة أن هذا يحصل كذلك، لذا لا بد من أن تبين الوثيقة المرجعية الأدوار، وتحدد بوضوح جلي ودقيق دور المراقب.
أما ثاني الصور فهي ما يرتبط بإخفاء التفاصيل المهمة، وهذا يحدث بإخفاء نوع كامل من العمليات أو الأحداث، مثل من يحرص على عدم ظهور أداء أحد الأقسام في التقرير الشهري، أو يقوم بعرض التفاصيل بحدها الأدنى، أو باستغلال ترتيب عرض البيانات، خصوصا المالية بطريقة تجعل التفاصيل المهمة تذوب وتختفي في جدول العرض. أو مثلا هناك من يحرص على عرض التفاصيل المهمة - التي يجبر على عرضها - بوسيلة مغايرة تقلل من أهميتها، ضمن الملاحظات مثلا أو في رسم توضيحي غير واضح. فيستخدم الإبداع في العرض لغير غرضه، ويستغل العارض هنا المهارات التي يفترض أن تضيف القيمة للتقارير والبيانات في تدمير القيمة، ومع الأسف مثل هذا يتقدم كثيرا على المراقب، خصوصا إذا كان المراقب ضعيفا في معرفة أحدث أساليب العرض، ويقبل مادة العرض التي يستند إليها في خلاصاته بغض النظر عن جودتها. تقوم بعض الأطراف بتمرير نسختين من التقرير نفسه، نسخ رسمية مختصرة للمتطلبات الرسمية يراجعها المراقب، ونسخ فعلية تفصيلية تصاغ حسب ما يرون والأخيرة لا تخلو من التدليس كذلك.
ومن صور خداع المراقبين التلاعب بالبيانات المرجعية BENCHMARKS سواء كانت تاريخية أو تعرض بينات السوق والمنافسين أو مؤشرات الأداء. فيحدث التلاعب عند استخراجها أو معالجتها أو عرضها. وكثيرا ما تخضع البيانات التاريخية للتعديل حسب الأهواء، فالقليل من المراقبين من سيتذكر ذلك. وبهذا، تعرض المعلومات بشكل معدل يرفع من نسب النمو أو يحول التغيير السلبي إلى إيجابي. لا يكون التلاعب هنا بتعديل البيانات بالضرورة، بل قد يكون بتغيير التبويب أو تجميع المعلومات المرجعية بشكل مغاير للبيانات الفعلية الحالية.
ومن أشد صور الخداع تلك التي تصنع فيها الأرقام بطريقة غير حقيقية، أو تظهر فيها الأفعال وهي مؤقتة لا قيمة لها، فلا شيء بعد اكتمال المطلوب يمكن أن يترجم على أرض الواقع. مثل المراقب الذي يبحث عن وجود نظام للأمان والسلامة، فيحضر المسؤول موردا متواطئا ويجهز النظام المطلوب لغرض إثبات وجوده إذ تشترى بعض الأدوات والآلات وتوزع في أركان المكان، وهم يعلمون سلفا أنها لن تكون نافعة وقت الاحتياج. وهذا من الغش المباشر، وليس إهمالا أو تقصيرا، وهو من الجرائم التي يستحق صاحبها العقاب. ومثلهم من يحضر المستشار الشهير الذي يعد لهم أفضل الإجراءات العالمية ولكن على الورق فقط، أما التطبيق فهو عالم آخر، وهذا أيضا من الغش المباشر، خصوصا لو اقترن بنية فعله بهذه الطريقة. وتتعدد طرق الخداع وتتنوع، وكما أن المراقب الضعيف يساعد على استخدام أسهل الطرق لخداع المراقبين، فالمراقب القوي الذي يعي دوره ويجيد تقييم جودة المعلومة المقدمة له، يجعل ممارسة الخداع أمرا صعبا ويقلل من احتمال حدوثه بشكل كبير.
إنشرها