برنامج ساعات العمل القصير

|
تأثرت أسواق العمل في الدول المتقدمة خلال الركود العظيم 2008 - 2009 بطريقة متشابهة تقريبا، وكان الاستثناء الوحيد ألمانيا التي شهدت معدلات البطالة فيها استقرارا نسبيا. فعلى الرغم من تراجع الناتج المحلي الألماني بنسب مقاربة لتراجع الاقتصادات المتقدمة بوجه عام، وبنحو نقطة مئوية أكثر من تراجع الاقتصاد الأمريكي، إلا أن معدلات البطالة في قمة الأزمة المالية العالمية تفاقمت بنحو 4.5 في المائة في الولايات المتحدة بينما تحسنت طفيفا في ألمانيا. ولفت هذا الإنجاز أنظار دول العالم المتقدم إلى التجربة الألمانية وأرجعه كثيرون إلى سياسات ألمانيا في سوق العمل. وعموما تحظى سياسات ألمانيا بكثير من الاهتمام والإعجاب لما تحققه من إنجازات في كثير من المجالات. ونالت أخيرا تجارب ألمانيا الصحية والاقتصادية في التصدي لجائحة كورونا المستجد وآثارها كثيرا من الاهتمام. وتتدخل الحكومة الألمانية بسرعة وبقوة وقت الأزمات الاقتصادية، كما فعلت خلال الأزمة المالية العالمية، ورفعت مستوى تدخلاتها في مسيرة الاقتصاد في أثناء الأزمة الاقتصادية الحالية، نظرا لآثارها الاقتصادية الكارثية التي يصعب التغلب عليها من دون تحرك بارع وقوي ومكلف.
تركز سياسات وأنظمة العمل الألمانية على حماية الوظائف، خصوصا خلال الأزمات الاقتصادية. وتستخدم من أجل ذلك سياسات وأدوات متعددة من ضمنها برامج وشبكات حماية الوظائف التي من أبرزها برنامج كوهرتساهربايت أو ما يمكن تسميته ببرنامج حماية ساعات العمل القصير أو المنخفض أو البطالة الجزئية. هذا البرنامج قديم في ألمانيا ويصل عمره إلى نحو قرن من الزمن، ويتمتع بقبول القوى العاملة والمشغلين وهو جزء من سياسات وشبكات حماية العمل في ألمانيا. وتقوم فكرة البرنامج على أساس دعم دخول العاملين عند تراجع ساعات العمل أو انقطاعها، ما يسمح للشركات باستغلال طاقتها جزئيا وقت التراخي الاقتصادي، ويخفض تكاليف الاحتفاظ بالعمالة الماهرة وعودة الشركات إلى زيادة الإنتاج بسرعة عند تحسن أدائها. ويجنب البرنامج الشركات تحمل تكاليف تدريب عمالة جديدة عند انتعاش البيئة الاقتصادية، ويمكن في الوقت نفسه العاملين من الاحتفاظ بوظائفهم، وتلقي معظم أجورهم عند تراجع ساعات أعمالهم ما يدعم رفاهيتهم، ويخفض البطالة، ويدعم الطلب الكلي في البلاد وقت الأزمات.
يشترط البرنامج في الظروف الاعتيادية انخفاض إجمالي ساعات العمل في مؤسسة أو كيان اقتصادي بنسبة 30 في المائة للتأهل للحصول على الدعم من الحكومة المركزية. ويدفع البرنامج دعما مقداره 60 في المائة من خسائر صافي أجور ساعات العمل التي تخفضها الشركات وترتفع إلى 67 في المائة في حالة وجود أطفال لدى العاملين. وإذا استمرت فترات تخفيض العمل لأكثر من أربعة أشهر ترتفع نسب التعويضات إلى 70 في المائة وقد ترتفع إلى 80 في المائة في ظروف معينة. وتتحمل الشركات مسؤولية دفع مستحقات العمال، ولكنها تحصل على التعويضات لاحقا من الإدارة الحكومية المسؤولة. ويتحمل البرنامج أيضا دفع حصص اشتراكات التأمينات الاجتماعية نظير أجور الساعات المفقودة، ما يخفف من أعباء الوظائف على المشغلين. ووسعت الحكومة من تغطية البرنامج خلال الأزمة الحالية حيث خفضت نسبة ساعات العمل المفقودة في الشركات للتأهل للبرنامج من 30 إلى 10 في المائة، كما مددت فترة الاستحقاق من 12 إلى 21 شهرا، وضمت العمالة المؤقتة. وسارعت مؤسسات وشركات كثيرة خلال الأزمة الحالية إلى الاستفادة من البرنامج، يقدرها بعض المصادر بنصف مليون مؤسسة إنتاجية، من بينها شركات كبيرة، مثل: فولكسفاجن ولوفتهانزا وبي إم دبليو. ولا يقتصر استخدام برنامج العمل القصير على الظروف الاقتصادية الكلية الطارئة، حيث تستخدمه الشركات في الظروف الاقتصادية الاعتيادية مثل فترات إعادة الهيكلة أو تدريب العمالة أو عند مرور بعض القطاعات أو الشركات بظروف موسمية.
خصصت الحكومة الألمانية في 2009 ما يزيد على خمسة مليارات يورو لدعم دخول العمالة التي انخفضت ساعات عملها، ما ساعد 1.4 مليون عامل على الاحتفاظ بأعمالهم ويعتقد بأنه أسهم في منع تسريح نصف مليون عامل في أثناء الأزمة المالية العالمية. ومن المتوقع أن ترتفع تكاليف هذا البرنامج خلال هذه الأزمة الحالية بعدة أضعاف، ولدى الجهات المسؤولة عن البرنامج احتياطات مالية كبيرة تمكنها من الاستمرار في البرنامج لفترة من الزمن، كما أبدت الحكومة استعدادا كبيرا لدعم الانتعاش الاقتصادي، ولن تتأخر في تحمل تكاليف إضافية إذا دعت الحاجة إلى ذلك. ويرى مؤيدو البرنامج أنه أحد أسرار استقرار معدلات البطالة النسبي في ألمانيا، كما أنه يدعم بقاء العمالة في وظائفها ما يحفظ مهارات العمل، ويساعد الشركات على الاحتفاظ برؤوس الأموال البشرية، ويجنبها تكاليف ومصاعب توظيف وتدريب عمالة جديدة. إضافة إلى ذلك، يسرع البرنامج من عودة الشركات إلى كامل طاقتها عند انتهاء الظروف الاستثنائية الاقتصادية الكلية كالركود، أو يساعد الشركات الجيدة التي تمر مؤقتا بظروف صعبة على العمل والاستمرار. في المقابل، يرى منتقدوه أنه مكلف، كما أنه قد يطيل عمليات خروج الصناعات المندثرة والشركات غير الكفؤة من السوق. وقاد نجاح ألمانيا في خفض معدلات البطالة إلى استخدام دول متعددة نسخا خاصة بها في دعم أجور العاملين وقت الأزمات، ومنها: فرنسا وبلجيكا وإيطاليا والسويد والنرويج والمملكة المتحدة وكندا.
إنشرها