عندما يخدع المراقب

|
تخيل أن يخدع المراقب، إذ يظن أن ما يراقبه يحصل بشكل إيجابي مرض، لكن هذا مخالف لواقعه السلبي ثم يكتشف حقيقة ذلك بعد خراب مالطا. وخراب مالطا هنا قد يكون استثمارا فاشلا أو هدرا للموارد أو فصل موظفين أو بيعا خاسرا أو توصية قاتلة، وقد يصل الأمر إلى تدمير منظمة كاملة بجميع مواردها وموظفيها. في مثل هذه الظروف تضيع المسؤولية وتخرج التبريرات والقصص، لأن هناك طرفا مخادعا وطرفا مخدوعا والأنظار تتعاطف دائما مع المتضرر. لكن خلف هذا المراقب المتضرر يقف متضررون آخرون يمتد أثر فشل عملية الرقابة إليهم، وهم أساسها الأول إذ كلفوا المراقب بما يفترض أن يقوم به حماية لحقوقهم. في الالتزامات التي تقوم على علاقة منضبطة ومسؤوليات محددة واهتمام مهني واجب لا يمكن أن يقبل مثل هذا الأمر. لأن التساهل في تفعيل الأدوار الرقابية أينما كانت يعني التساهل في أداء الحقوق والواجبات والاعتياد على قبول التقصير والتهاون، ولذلك كثير من الآثار المتراكمة. من أمثلة المراقبين هنا: عضو مجلس المديرين، والمدير المسؤول، والمراقب الفني والصحي، والمهندس المشرف، والقائمة تطول.
من يتعرض للخداع في أمر يخصه يشعر بالغبن والخسارة، وقد يخسر فعليا شيئا من ممتلكاته أو حقوقه أو يشعر بما يضايقه بمختلف الأحاسيس. هذا كله وهو فرد وحيد لا يمتد أثر الخداع إلا له، وقد يملك سبلا مختلفة لأخذ حقه والتعويض أو التنازل والسماح، له ما يختار من ردة الفعل التي قد تقتصر على تجاهل الأمر برمته. لكن حينما يكلف أحدهم بدور المراقب، أيا كانت ساحته، فهو مؤتمن على ممتلكات وحقوق غيره، ومكلف بأحد أدوار الرقابة محددة المعالم. لذا، عندما يتعرض مثل هذا للخداع فالأمر أكبر بكثير. وحتما لا يكفيه السماح ولا التجاهل، فهو مؤتمن ولا يجب عليه أن يتنازل على الأقل على ما أؤتمن عليه، وعليه إن ثبت تقصيره وتفريطه، أن يحاسب نفسه قبل غيره.
في دنيا الأعمال، تتسع اليوم دائرة المحاسبة والرقابة بشكل كبير، فمن ينظر إلى الإطار الأكبر لممارسات الحوكمة التي ينشدها الجميع سيجد أن كل فرد يعمل في منظمة ما يتحمل قدرا كبيرا من مسؤوليات الرقابة. إذا حاولنا النظر إلى هذه الدائرة بشكل مبسط، سنجد أنها تبدأ من منفذ العملية أو المشغل يرافقه مدير يخطط ويراجع، ثم هناك من يقيد أثر هذا الفعل. يمتد تسلسل التسجيل والرصد حتى يصل إلى المسؤول عن المعلومات ومن يرفع التقارير ويجعلها تعبر عن ملخص الأحداث خلال فترة زمنية محددة، إلى أن تصل إلى صانع القرار، سواء كانت لجنة إدارية أو رئيسا تنفيذيا أو مجلسا فاخرا يضم نخبة من الخبراء والمسؤولين. وكل هؤلاء مراقبون على حيز ما، يستوجب عليهم الرفع بما يجدونه من حقائق، والتصعيد كما يحتم عليهم دورهم، وتحمل مسؤولية اتخاذ القرار ومساعدة الكيان على الوصول إلى القرار الأمثل بناء على ما يستجد ويفهم. وإن تعثرت عملية الفهم الجيد، فهم أول من يطالب بالفهم وترتيب متطلبات الحصول على هذا الفهم الملائم لمسؤولياتهم.
تتعاظم فرصة خداع المراقب عند تفويت متطلبين مهمين. الأول، وعي المراقب ومعرفته نطاق عمله بشكل دقيق. وهذا يشمل فهم توقعات الآخرين منه، وفهم السياق الذي يعمل به، وتحديد الأدوار الرقابية التي يجب أن يقوم بها بحدها الأمثل. والمتطلب الآخر، أن يسيطر على آليات الفهم والإدراك، أي دورة المعلومات والتقارير التي تمكنه من أداء دوره، ماليا كان أو فنيا أو تشغيليا. وهناك بالطبع متطلبات أخرى لمن يعمل في بيئة تحيط بها الرقابة الفعالة، لكن هذين المتطلبين هما الأساس اللذان يسمحان للمراقب بتفادي الوقوع في مطب خداع الآخرين له، أو مطب التقصير والإهمال.
يشكل المراقب الذي لا يسيطر على هذين المتطلبين ثغرة أكيدة في النظام الرقابي لأي منظومة، والانتهازيون يبحثون عن مثل هذه الثغرات. لأن النظام الرقابي نفسه لن يعمل وعنصره الأهم، القائم على تنفيذ الأنشطة الرقابية وإدارتها، يعجز عن فهم ما يستدعيه دوره أو كيفية تحقيقه لهذا الفهم. مثال ذلك، عضو مجلس الإدارة الذي يركن إلى التقارير والملخصات التي تقدم له ويحاول اتخاذ القرار الأفضل، في حين أن هذه التقارير تفتقد عناصر الجودة الأهم، سواء كانت صحتها أو توقيتها أو ملاءمتها أو غير ذلك. مثل هذا، ينبغي له أن يتأكد من جودة ما يصل إليه من معلومات ويجيد التمييز بين ما يمكن أن يعتد به لصناعة قراره أو حكمه وما لا يجب أن ينظر إليه من الأساس وفق نطاق مسؤولياته. ومثل ذلك كل مسؤول مراقب، أينما كان دوره. في غياب هذه المتطلبات، لن يخدم المراقب حدسه ولا حكمته، ولن تحميه علاقته الممتازة بزملائه المراقبين أو الأطراف الأخرى التي يتعامل معها. ولن تساعده سمعته على حماية نفسه من خداع الانتهازيين أو الوقوع في حفر الإهمال والتقصير.
إنشرها