هدم المجسمات والقلق على الحضارة الغربية

|
قد يتصور بعض القراء أن عنوان مقالنا لهذا الأسبوع ذهب بعيدا، ولا سيما إن كانوا من المنبهرين بسراج الحضارة الغربية.
كل سراج عن بعد يبدو مشعا، خصوصا إن كان الظلام الدامس قد حل في صفوف ناظريه، وكان انتظارهم بزوغ فجر نهارهم قد مضى عليه زمن طويل.
ولقد مضى على ليل العرب في العصر الحديث ردح ثقيل، ومع فقدان الأمل بقرب انبلاج الصباح، تزداد وطأة اليأس لديهم قليلا.
وهكذا ترى أن نخبة قومهم ترنو إلى الغرب عيونها، وتستشهد بحضارته وسلوكه وممارساته وطريقة حياته سبيلا، لحث الصبح كي يدحر دجى ليل انجلاؤه صار عليهم عسيرا.
ويتباهى العرب، إن لم يكن كلهم فأغلبهم، بقربهم من هذه الحضارة ليس فكرا وعقلا فحسب، بل ممارسة ووجودا بأي شكل من الأشكال.
بينهم من يتبختر بالمدرسة الأجنبية، حيث التدريس باللغة الأجنبية في بيئة عربية وإسلامية، أي في عقر دارهم. وبينهم من لا يكف عن إيراد نماذج وحوادث وقصص لما يراه حميدا وإيجابيا في الغرب ومقارنته ومقاربته بما يراه بائسا وسلبيا ومرفوضا في بيئته العربية والإسلامية.
وبينهم من يقول، إنه أسمى من أقرانه لأن بعد جهد جهيد حصل على موطئ قدم في الغرب، فيرى شهادته من جامعة غربية تساوي أضعاف شهادة أقرانه من جامعات عربية أو إسلامية، ويذكر ذلك علنا وجهارا.
وهناك من يرى أن في إمكانه النوم قرير العين بعد حصوله على مستند تملك عقار، أو وديعة، أو أوراق مالية، أو شركة في الغرب. وهنا، أقول في ألم شديد، إن العرب ربما من أكثر شعوب الدنيا تنافسا على شراء العقارات والودائع والأوراق في الغرب.
ما السحر الذي يجذب الناس صوب الغرب؟ وما السحر الذي يبقى سحرا حتى لو انقلب على الساحر؟
كاد النظام المالي في الغرب، الذي يعد عمود وعصب اقتصاده، ينقلب على رأسه عام 2008. ورغم ما أعقب تلك الأزمة الشديدة من تصحيح المسار، فإن تبعاتها لا تزال محسوسة والخشية من تكرارها في أزمة أشد من سابقتها واردة.
تزين ساحات المدن في الغرب كما أسلفنا في مقال الأسبوع الماضي المجسمات، والمجسمات هي خطاب، تنطق كما تنطق الكلمات. وصارت الكلمات التي تلقيها هذه المجسمات على مسامع الناس ليس في الغرب بل ربما على مستوى العالم بمنزلة أيقونات. لكن سرعان ما اكتشفنا أن الغرب بدأ ينتفض على ذاته وتاريخه من خلال مظاهرات عارمة، أخذت تصيب نظامه المبني على المجسمات والتسميات والممارسات ذات البعد العنصري في مقتل.
وسرعان ما اكتشفنا أيضا أن الماضي القريب وليس البعيد جدا للغرب لم يكن جميلا، وأن النصب والمجسمات التي أقامها لتخليد حضارته صار لزاما عليه إسقاطها وهدمها وتخريبها، لأنها تمثل إرثه في العبودية والعنصرية والاستعمار.
عندما ثار الناس على النصب والمجسمات، تصورت لأول وهلة أنها هبة عابرة، ولن يكون بمقدور المنتفضين تغيير مشاهد الساحات العامة في الغرب وحرم الجامعات ووجهة نظر الشركات، التي كان لها ضلع في نظام الرق والاستعباد.
مهما كانت نظرتنا سلبية إلى الغرب، إلا أن النخب الثقافية فيه لها من التنوير والانفتاح والتسامح ما يمكنها أن تقف في وجه الحكومات والمنظمات والأحزاب، التي لا تحن إلى الماضي الذي رسخ نظام العبودية والعنصرية والاستغلال والاستعمار فحسب، بل تدافع عن حاضر لا يزال يمنحها كثيرا من المكتسبات بسببه.
بطبيعة الحال، هدم المجسمات ورفع التسميات التي تمثل الحقبة التي بنت دول استعمارية مثل: بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال وبلجيكا وهولندا وغيرها، ثراءها ورخاءها لن يلغي الفكر والممارسة التي اكتسب صبغة المؤسساتية في أعقابها.
وكذلك، فإن هدم النصب والمجسمات في أمريكا لن يمنح المستعبدين ذوي الأصول الإفريقية والسكان الأصليين وأحفادهم حقوقهم ولن يساوي بينهم وبين البيض في ليلة وضحاها، لكنه يضع حدا للاستهتار بالعقل البشري، حيث تتفشى ظاهرة العنصرية وعدم المساواة في خضم مجتمعات ديمقراطية ومدنية وحضارية لا تزال تمجد ماضيا كان وبالا على شعوب بأكملها، ومنهم من يعيش بين ظهرانيها.
مهما كان من أمر، فإن الغرب مدعو إلى مراجعة الذات من خلال الاعتراف بما سببه من ظلم ومآس في أكثر حقبه التاريخية الظلامية، وهنا لا نشير إلى التاريخ البعيد بل إلى القرنين الـ 20 والذي سبقه.
هل نقلق على حال الحضارة الغربية؟ كيف لا، إذا كانت لا تزال تنتج شرطيا أبيض يضغط بركبته على رقبة رجل ذي بشرة سوداء دون اكتراث لمناجاته وتوسلاته أنه لم يعد في إمكانه التنفس، ويفقد الحياة إثر ذلك.
"استقيت فكرة المقال وأعدت كتابة الفقرة الأخيرة منه بتصرف من لورين هانزبيري، الكاتبة الأمريكية من أصل إفريقي، وهي أول كاتبة من ذوي البشرة السوداء تعرض مسرحياتها في أمريكا في منتصف القرن الـ 20".
إنشرها