تفاعلات اقتصاديات التمييز

|
تعاني البشرية منذ الأزل معضلة التمييز بين مكوناتها المختلفة. ويبنى هذا التمييز على أوجه كثيرة، كالعرق، والجنس، والجهوية، والأصل الوطني، والتقسيمات الطبقية، والقبلية، والدخل، والثروة، والأسرة، أو هيئة البشر، كالطول والسمنة والجاذبية، ولكن أشهر أشكال التمييز هو العنصري المبني على أساس العرق أو لون البشرة. مارست مجتمعات كثيرة التمييز العنصري عبر تاريخها وكان استرقاق أعراق معينة من أبشع صور التمييز العنصري. ثم تخلصت البشرية من الرق في العصر الحديث ولكن المواريث الثقافية والنفسية للرق والفوقية ما زالت تنتشر بين أعداد كثيرة من البشر. وتواجه أعراق معينة تمييزا من قبل الأغلبيات العرقية الأخرى ما يقود إلى انتقاص حقوقها العادلة في العمل والتعليم والسكن والثروة والحركة والخدمات العامة والخاصة.
أسوأ أنواع التمييز العنصري ما يدعمه القانون وتشيح عنه الأنظمة، كما كان معمولا به في حقبة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، أو ما كان منتشرا في كثير من الدول الغربية وأبرزها الولايات المتحدة. وألغيت قوانين الفصل العنصري في الأغلبية الساحقة من دول العالم ولكن ما زالت شرائح كثيرة من المجتمعات تمارسه بصيغة علنية أو خفية. ويستخدم العنصريون مؤسسات الدولة في تنفيذ أحقادهم وإبعاد العناصر الأخرى عن مفاصل الدولة ومراكزها الحساسة، ما يفاقم معضلة التمييز العنصري ويهدد السلام الاجتماعي. والتمييز على أساس العرق منتشر في أرجاء كثيرة من العالم ولا يقتصر على ظلم أصحاب البشرة السوداء فقد يكون ضد ما يسمى أحيانا بالملونين (مثل معظم العرب والهنود) أو ضد المهاجرين أو الهنود الحمر أو سحنات وأعراق أخرى عبر العالم.
يؤثر التمييز في التفاعلات الاقتصادية في المجتمعات ويقود إلى تراجع كفاءة عوامل الإنتاج ويخفض بالتالي مستويات المعيشة والناتج المحلي والدخل للاقتصاد ككل، حتى لو كان دافع الفئات المسيطرة الأساسي احتكار الدخل والثروة لمصالحها. ويعمد معظم دول العالم إلى وضع تشريعات تمنع التمييز بين البشر على أساس الخصائص السكانية، ولكن الأنظمة ليست كافية وحدها للقضاء على التمييز، حيث تتطلب فعاليتها التعاون المجتمعي من الأغلبية الساحقة من السكان. فشعور شريحة كبيرة من السكان - ذات نفوذ وسيطرة في القطاعين العام أو الخاص - بتفوقهم وامتيازهم على الشرائح الأخرى أو على شريحة معينة بحيث تؤثر في تصرفاتهم سيقود إلى التمييز ضد المضطهدين ويؤثر سلبا في التفاعلات الاقتصادية للشرائح السكانية.
يركز كثيرون على التمييز الذي مصدره المشغلون، الذي يفضل عمالة بسحنة أو خاصية معينة على الأخرى، حيث قد يفضل مالك منشأة معينة عمالة من البيض على عمالة من السود حتى لو كانت إنتاجيتهم متساوية، ما يقود إلى رفع الطلب على العمالة البيضاء ويرفع أجورها ويخفض بطالتها مقارنة بالعمالة السوداء. وهذا يسري على باقي الخصائص السكانية. لكن التمييز يأتي أيضا من العمالة نفسها فقد ترفض العمالة البيضاء أو لا تفضل العمل مع العمالة السوداء، ما قد يدفع بأصحاب العمل إلى دفع أجور إضافية للعمالة البيضاء للعمل في بيئة مختلطة أو خفض أجور العمالة السوداء. كما قد يأتي أيضا من المستهلكين حيث يفضل بعضهم أن يتعامل أو يشتري من أصحاب البشرة البيضاء، وهذا يدعم أجور وتوظيف هذه الشريحة السكانية مقارنة بباقي الشرائح السكانية. وربما يأتي من ملاك الأعمال أو المؤسسات المالية التي تفضل التعامل ومنح الائتمان لأعراق أو فئات سكانية معينة، ما يركز الثروة والدخل في فئات معينة مع مرور الوقت.
يمكن ممارسة التمييز على أساس العرق بشكل سهل جدا لأنه باد للعيان ولا يحتاج إلى التدقيق في الأوراق. لهذا يتعرض أصحاب البشرة السوداء أو الداكنة إلى التمييز بشكل واضح ومنتشر وصريح. تنتج عن التمييز العنصري مع مرور الزمن فروقات كبيرة بين الأعراق المضطهدة والأعراق المتميزة في الدخل والثروة والسكن والتعليم والرعاية الصحية والخدمات العامة ومعدلات الجريمة والتفكك الأسري، ما يوجد شروخا في المجتمعات ويهدد السلام الاجتماعي ويحدث القلاقل والعنف والاضطرابات التي قد يؤدي تفاقمها إلى الحروب الأهلية وتفكك الدول وانهيارها.
يفاقم بعض الأنظمة والممارسات الاقتصادية، بطريقة غير مقصودة، ظاهرة العنصرية. فقد وجد أن تصنيف المصارف الائتماني للأحياء السكنية في الولايات المتحدة وضع الأحياء التي تقطنها الأقليات في ذيل قائمة الأحياء المؤهلة للحصول على قروض عقارية. وتسبب هذا في خفض الإقراض لسكان هذه الأحياء وأسهم مع مرور الوقت في تفاقم الفروقات الاقتصادية بين السود والبيض. لهذا فإن على المشرعين للأنظمة الاقتصادية الحذر من أن تؤدي السياسات، بطريقة غير مقصودة، إلى تفاقم معضلة التمييز على أساس العرق أو أي أساس آخر.
ليست هناك دول أو مجتمعات محصنة من التمييز وقد يضعف أحيانا وربما يستفحل أمره بسبب العوامل المحفزة، وخصوصا النزاعات والفراغات الأمنية. ويأخذ التصدي للتمييز والعنصرية وقتا طويلا ربما يستغرق أجيالا وعزيمة صادقة ورجالا مخلصين للقضاء عليه. ويتطلب أولا مراجعة القوانين والأنظمة والممارسات الحكومية التي تغذيه أو تستغل في ممارسته. كما ينبغي التصدي للمورثات الثقافية والنفسية والمعتقدات الزائفة والإعلام ووسائل التواصل التي تغذي العنصرية والظلم والتمييز الجائر ضد البشر بسبب خصائصهم السكانية. إضافة إلى ذلك لا بد من الحرص على تمتع جميع الشرائح السكانية - بغض النظر عن خصائصها - بالوصول والحصول بشكل عادل ومتساو على الخدمات العامة، وأهمها الأمن والقضاء والتعليم والرعاية الصحية.
إنشرها