«أرامكو» .. التكامل الرأسي الاستراتيجي

|

في الإدارة الاستراتيجية يأتي التكامل الرأسي إحدى أهم الرؤى الاستراتيجية التي تحقق الاستدامة الاقتصادية لأي شركة، وتخفف من الضغوط التنافسية عليها، فالتكامل الرأسي يعني امتلاك منصات التوريد التي تزود الشركة بالمواد الداخلة في التصنيع، ما يسهل دعم الشركة الأساسية بضمان إمدادات مستمرة، كما يمكنها من فهم المتغيرات الاقتصادية في أسواق التوريد عموما، وهذا يجعل الشركة قادرة على التكيف بسرعة مع المتغيرات وتكون في الوقت نفسه صانعة للقرار بما يحافظ على استقرار الإمدادات وأسعارها.
وفي المقابل، فإن التكامل مع منافذ التوزيع أو المصب - كما تسمى أحيانا، ويسمح للشركة الأم بأن تضمن منافذ مستقرة ومستدامة لمنتجاتها، وهو ما يعزز الربحية، ويحقق ميزة تنافسية كبيرة على الشركات الأخرى، من حيث تخفيض التكلفة أو ضمانات الشراء، والسداد. لكن نجاح هذه الاستراتيجيات عموما مرتبط بضمانات الجودة وأن تظل الشركة الأم محافظة على مستويات عالية من التميز في المنتجات. وفي ضوء كل هذه العناصر والمعطيات، نجد أن شركة أرامكو استخدمت نموذج التكامل الرأسي الاستراتيجي مع منافذ التوزيع عندما قامت بشراء حصة تعادل 70 في المائة في شركة سابك، فالمعروف أن "سابك" هي مصب لمنتجات "أرامكو" البترولية، وتقوم بشراء هذه المنتجات واستخدامها كمدخلات ولقيم في المنتجات البتروكيميائية والهيدروكربونية المختلفة.
ومن هذه الزاوية، فإن "سابك" إحدى كبرى الشركات في الاقتصاد السعودي وأهم القياديات في سوق الأسهم، كما أن لها فروعا عالمية وصفقات ناجحة، وشركات تابعة كان أهمها استحواذها على مجموعة جنرال إلكتريك للبلاستيك، وهذه الصفقة التي نجحت فيها "سابك"، تمثل منفذا استراتيجيا مهما جدا لـ"أرامكو" ومنتجاتها. لذا، فإن تكامل "أرامكو" الرأسي من خلال استحواذها على "سابك" سيفتح لها منافذ عالمية واسعة، مثل "جنرال إلكتريك"، كما أن قدرات "أرامكو" الفائقة وانخفاض تكلفة الإنتاج لديها سيعززان من قيمة منتجات "جنرال إلكتريك"، ويجعلها منافسا عملاقا في السوق الأمريكية. وبنظرة شمولية استراتيجية، فإن "أرامكو" استطاعت من خلال "سابك" وضع موطئ قدم في الأسواق الأمريكية، وفي منتجات غير نفطية مباشرة، وهذا يحقق لـ"أرامكو" أرباحا غير عادية، واستدامة اقتصادية، وقد يفتح آفاقا مستقبلية في الصناعة التحويلية يصعب التنبؤ بها الآن. وعلى كل، فإن جميع التقارير المتخصصة في عالم الأعمال، تؤكد نجاح الخيارات الاستراتيجية لـ"أرامكو"، التي كان لقرارات "سابك" الناجحة قبل أعوام أثر فيها. وهذا الوضع في مجمله يعزز مكانة السعودية البارزة في أسواق الطاقة العالمية، كما يمكن - بكل وضوح - أن نطلق على صفقة الاستحواذ بين الشركتين صفقة تاريخية في السوق السعودية.
وتبقى القرارات الاستراتيجية المهمة مثل هذه، مرهونة بأمرين - كما أشرنا - أولهما عدم التأثير في جودة المنتجات والمحافظة على المستهلكين، وهذا ما يؤكده واقع الحال من قدرة "أرامكو" على المحافظة على الحصص في الأسواق العالمية ورغبتها في التوسع في ضمان إمدادات سوق المنتجات، ما يحقق لها توازنا في توزيع الإنتاج، كما أن "سابك" استطاعت أن تحافظ على مكانتها في سوق المنتجات البتروكيماوية، وبلغ إنتاجها في 2019، ما يزيد على 90 مليون طن. والأمر الآخر يتعلق بعدالة قيمة الصفقة، وعدالة الأسعار التبادلية بين الشركتين. وفي هذا، أكد رئيس شركة أرامكو السعودية، أن سعر الاستحواذ على 70 في المائة من شركة سابك، عادل وتم وفق أسس تجارية بحتة.
وهنا يظهر تساؤل ملح بشأن مدى تأثر التقييم بالأوضاع الاقتصادية العالمية الراهنة، خاصة أن منتجات "سابك" لها علاقة بعديد من القطاعات التي تأثرت بشدة، كما أن المفاوضات والتسعير تم بين الشركتين قبل انتشار الجائحة. وهنا يؤكد رئيس شركة أرامكو، أن التقييم أخذ نظرة بعيدة المدى، ودخل في ذلك التقييم تأثر أسواق العالم بجائحة فيروس كورونا المستجد. ومن الجدير بالذكر، أن نية شراء "أرامكو السعودية" 70 في المائة من أسهم "سابك" تم إعلانها في آذار (مارس) من العام الماضي، وتمت المفاوضات بين فريق مشترك من "سابك" و"أرامكو" ضم مجموعات من تخصصات ومجالات أعمال متعددة، وفي 17 حزيران (يونيو) 2020 تم الإفصاح عن المبلغ الإجمالي، الذي بلغ 259.125 مليار ريال "69.1 مليار دولار" مقابل 70 في المائة من أسهم "سابك".
ولا شك في أن هذا الوقت كان كافيا لأخذ المستجدات الاقتصادية كافة في الحسبان عند التسعير، كما أن الرقم الضخم يؤكد ضخامة الصفقة وضخامة شركة سابك، إذا علمنا أن "سابك" استحوذت على "جنرال إلكتريك" بالكامل بقيمة 11 مليار دولار.
خلاصة القول، إن صندوق الاستثمارات العامة يواصل تنفيذ استراتيجيته في تنويع مصادر دخله وتعظيم العائد، لذلك تعد صفقة اليوم دليل نجاح استراتيجيات الصندوق وقدرته على التوظيف الأمثل للسيولة بما يدعم العائد على استثمارات الدولة.

إنشرها