العودة المرتقبة والإدارة المالية

|
عندما تتنفس الأعمال الصعداء وتبدأ ملامح الحياة بعد كورونا في الظهور، تنجلي قيود الجائحة التشغيلية ثم الربحية بإذن الله. لكن، هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن العودة ستكون مسألة سهلة وطبيعية وسلسة. بل إن أحد أكبر مكونات إدارة الأزمة وأكثرها حساسية بعد استقبال المفاجأة في الفترة السابقة هو إدارة العودة بشكل ذكي وفعال. وهذا يعني مزيدا من الأنشطة والأفعال التي تحتاج إلى ترتيب ومرونة وشجاعة. وبما أن مسؤولية الإدارة المالية كانت في أوجها أثناء محاولة فهم أثر الجائحة وبما يفترض أن تكون أنتجته من تقييمات وتحليلات تساعد على فهم الأثر والواقع الجديدين، فهي كذلك تعيش مرحلة حرجة ومهمة بعد العودة. فالإدارة المالية هي من سيمرر لصانعي القرار الأولويات الجديدة، وهي من سيترجم نتيجة الخيارات التي يتم تنفيذها، ويعدها للاستيعاب والتفاعل المستمر.
ترتكز فاعلية الإدارة المالية في مرحلة عودة الأعمال على ثلاثة أسس: أولا، ما تم تعلمه في المرحلة السابقة والحالية، ثانيا، أولويات الانطلاق وتركيز الجهود عليها، وثالثا، مساعدة الإدارة على التركيز استراتيجيا على الحلول الأهم للمحافظة على البقاء وزيادة مناعة المنشأة في الفترات المقبلة، من الأكيد أن المقبل لن يكون أقل تحديا مما مضى. لذلك، يتقن المدير المالي الجيد أداء مهامه الاعتيادية بالتقاطع مع هذه المرتكزات الثلاث. ويزيد هذا الأمر تحديا عندما نعلم أن كثيرا من الأمور، حتى تلك التي كانت أقل إلحاحا، ستتجسد بملامح جديدة بعد العودة، وكما يقال كثيرا: الحياة بعد كورونا لن تكون كما كانت من قبل. من ذلك على سبيل المثال، سوق العمل، التي أصابتها ربكة وتهديدات متنوعة إذ لن تعود بشكلها السابق عندما تعود الأعمال، ستتغير الديناميكية وستقل أو تكثر كثير من مواردها. ومن ذلك كذلك، انقطاع بعض الحلقات في سلاسل الإمداد، ربما لم يشعر بها أحد بعد لكن ستظهر شيئا فشيئا، سواء بسبب تغير نماذج العمل أو بسبب الخروج من السوق. وهذا مما سيظهر بعد العودة ويحتم على العائدين البحث عن البدائل وتجربتها، وفي ذلك تكلفة لا يمكن تجاهلها.
بالنسبة للمرتكز الأول "ما تم تعلمه بسبب أزمة كورونا"، لا أعتقد أن أحدا يستطيع القول إنه أخذ الدرجة الكاملة في الاستجابة الأولية للجائحة وظروفها، هناك من تأخر في استيعاب الحدث، هناك من تعجل في التصرف، والجميع بلا شك تأثر بالمفاجأة وتسارع الأحداث ولم يتخيل مداها غير المسبوق. المهم هنا أن تشكل هذه التجربة الثرية الدرس كما يجب أن يكون. على المدير المالي أن يقيم استجابته هو وفريقه لإدارة المنشأة، قدرتهم على معالجة البيانات وإصدار التقارير، جودة المعلومات التي تمكنوا من الوصول إليها وتمريرها، والوقت الذي استهلكوه للقيام بذلك. والنظر في هذا الأمر ليس للوم من تأخر شهرين أو ثلاثة ليوفر نظرة مالية واضحة لصانعي القرار، وليس لمكافأة من قام بذلك بشكل أسبوعي أو يومي، وإنما للتعلم من التجربة. هناك تفاصيل دقيقة صنعت واقع الاستجابة لهذا الوضع، وهذه التفاصيل هي ما يستحق النظر والتقييم، مثل: آلية استخدام النظم المعلوماتية، إجراءات التبليغ والفوترة للعمليات، كفاءة الدورة المحاسبية، جودة قنوات التواصل داخل المنشأة وغير ذلك.
من تمكن من فهم واقع أعماله بشكل جيد ولو بعد حين يستطيع الآن العمل على المرتكز الثاني الأهم، وهو تمكين الإدارة وفرق البيع والتسويق والعمليات والدعم من معرفة وفهم الأولويات الجديدة، وتيسير سبل الانطلاق نحو هذه الأولويات. الإدارة المالية هي المحرك الأساسي في عملية تدوير المعلومة المالية داخل المنشأة، وبالمعلومة الملائمة والسليمة تؤسس التحركات والانطلاقات المنتجة التي تساعد على التعويض. أما غياب الشفافية أو تدوير معلومات ناقصة أو مشوهة أو العمل بشكل بطيء فيعد من تقاعس الإدارة المالية في تحفيز ونشر أولويات العودة، وهذا بالطبع يجعل المهمة أصعب على الجميع.
المرتكز الثالث والأخير، مساعدة الإدارة على التركيز استراتيجيا على الحلول الأهم. وهذا المرتكز يقوم على عدد من النقاط التي تعنى بالجانب الأهم من عملية البقاء والاستمرارية. يسهل في الظروف الجديدة وتحت ضغط الانشغال بالتفاصيل فقدان ملامح الصورة الكبرى. ولهذا من المهم على الإدارة المالية مساعدة الإدارة في الحفاظ على توازنها وتذكيرها بالأولويات الاستراتيجية الجديدة أو المعدلة، سواء كانت تنافسية أو إبداعية أو تنظيمية أو غير ذلك. ومن ذلك أيضا العمل على استشراف الواقع الجديد على مدى أبعد من الشهر أو الربع الحالي بكثير. يساعد دور الإدارة المالية، في هذا المرتكز الاستراتيجي المهم، على ضبط إيقاع ما يتم القيام به على المستوى التشغيلي، خصوصا أن الروتين الجديد بعد العودة سيكون في حالة متشكلة منسكبة، لن تتحلى بالثبات إلا بعد حين.
إنشرها