«الاستشراف» صناعة وليس ترفا فكريا «2»

|
عود على بدء، ذكرت في المقال الأول من هذه السلسلة من المقالات أن الدراسات المستقبلية أو استشراف المستقبل خليط من الماضي وخبراته المتراكمة والمعلومات المتاحة والمستخلصة منه للموضوع أو الظاهرة محل الدراسة، والحاضر بمعطياته.
ذكرت أن استشراف المستقبل ليس ترفا فكريا، بل هو من أهم أدوات التقدم والتطور في جميع النواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والصحية وغيرها، وأضفت أن الخطط الاستراتيجية على مستوى الاقتصاد الكلي أو الجزئي لن تكتمل أركانها، ولن تتحقق أهدافها المرجوة إلا بوجود مراكز معتبرة تقوم بصناعة دراسات مستقبلية استشرافية مبنية على بيانات ذات جدوى، يقوم بمعالجتها مختصون فتنتج عن ذلك معلومات ذات قيمة تغذى بها هذه الدراسات فتنعكس إيجابا على مخرجاتها ودقتها. قطاع الطاقة بأقسامه المختلفة يجري عليه ما يجري على غيره من القطاعات، فاستشراف مستقبله في اعتقادي ضرورة ملحة للمنتجين والمستهلكين على حد سواء، ويجب أن تتصف هذه المراكز المختصة بالديناميكية في جمع المعلومات وتمحيصها، حيث إن مخرجات هذه الدراسات ليست مسلمات، فقد يطرأ عليها تغير جزئي أو كلي في مدخلاتها نتيجة تطورات قد تحدث لم تكن في نطاق الاحتمالات ستنعكس بلا شك على دقة مخرجاتها. سأسلط الضوء في هذه السلسلة على مثالين من أرض الواقع، أولهما يخص الطاقة المتجددة، وثانيهما يخص النفط الصخري الأمريكي.
حتى مطلع عام 2019 توقع كثير من الدراسات لجهات ومراكز عالمية معتبرة أن الطاقة المتجددة لن تشكل إلا 8 في المائة تقريبا من مصادر الطاقة العالمية بحلول عام 2040 وأن الوقود الأحفوري الذي يتكون من النفط والغاز والفحم سيشكل نحو 87 في المائة، وستكون 5 في المائة من نصيب الطاقة النووية. بحسب هذه الدراسات سيكون ترتيب مصادر الطاقة في عام 2040 على التوالي "النفط، الغاز، الفحم، الطاقة المتجددة، الطاقة النووية"، حيث سيزيح الغاز الطبيعي الفحم من المرتبة الثانية ليصبح الأخير ثالث أهم مصدر للطاقة في العالم. تطورت صناعة الطاقة المتجددة بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة، وزادت الاستثمارات على مستوى الدول في هذا القطاع بصورة كبيرة ما أثر في مدخلات الدراسات الاستشرافية التي أعدت قبل عام 2019 وبالتالي في مخرجاتها. قبل 15 شهرا من الآن، توقعت "بريتيش بتروليوم" أن النفط سيبقى متربعا على عرش صدارة مصادر الطاقة العالمية عام 2040 بنسبة 27 في المائة، ويأتي بعده الغاز الطبيعي بنسبة 25 في المائة، لكنها توقعت أن الطاقة المتجددة ستحتل المرتبة الثالثة بنسبة قد تصل إلى 23 في المائة، ويليها في الترتيب الفحم الطبيعي بما يقارب 20 في المائة، وأخيرا الطاقة النووية بنسبة 5 في المائة. ارتفاع النسبة المتوقعة للطاقة المتجددة كمصدر عالمي للطاقة عام 2040 من 8 في المائة إلى نحو 23 في المائة، أي بارتفاع يصل إلى 187 في المائة هو ارتفاع مفاجئ بلا شك، ومؤشر مهم لتطور هذا النوع من الطاقة من حيث الكفاءة والتكلفة، وهما من أهم عناصر الجذب للمستثمرين في هذا القطاع وللمستهلكين على حد سواء.
في اعتقادي، أن هذه التوقعات والأرقام ستتغير قريبا، وستخرج دراسات استشرافية جديدة تعيد قراءة المستقبل تتضمن جائحة كورونا وانعكاساتها على هذا القطاع وغيره من القطاعات.
إنشرها