القوى العظمى ما بين الانكماش أو السقوط

|

لا شك أن دراسات استشراف المستقبل من الأمور المهمة التي ينبغي الاهتمام بها، لأنها تعطي إشارات تحذيرية استنادا إلى مؤشرات سياسية واقتصادية واجتماعية. لذلك تطلق هذه الدراسات بين حين وآخر توقعات بسقوط الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو غيره من الدول وصعود أقطاب أخرى منافسة، وتلقى هذه التوقعات اهتماما وأضواء في حال حدوث شيء يدعمها، ولكن كثير منها يختفي أدراج الرياح وينساها الناس في حالة عدم حدوث ما يدعمها.
هناك كتب كثيرة تتنبأ بسقوط الإمبراطورية الأمريكية، ومنها: كتاب "ما بعد الإمبراطورية: دراسة في تفكك النظام الأمريكي"، الصادر في 2001 لمؤلفه إيمانول تود. وكذلك كتاب عالم الاجتماع النرويجي يوهان جالتونج Johan Gultung الموسوم: "سقوط الإمبراطورية الأمريكية: ماذا بعد؟" الصادر في 2009، وكتاب "تاريخ انتهاء صلاحية أمريكا" لمؤلفه كال توماس، وكذلك كتاب "أمريكا في مرحلة الوداع" الصادر في 2018 لمؤلفه كريس هيدجز. وهذه الكتب لا تتوقع سقوط جمهورية الولايات المتحدة، ولكن سقوطها كإمبراطورية لها نفوذ عالمي، أي كقوة عظمى. والسؤال: هل بدأ نجم الإمبراطورية الأمريكية الذي بزغ بعد الحرب العالمية الثانية في الأفول؟! وهل حادثة قتل جورج فلويد ستكون الشرارة التي ستعمل على تسريع انكماش الإمبراطورية الأمريكية، خاصة مع التأثير الحاد لجائحة كورونا من جهة، والتأجيج بعد حادثة دفع المسن من قبل قوات الطوارئ من جهة أخرى؟ أسئلة يدور حولها الجدل وتختلف حولها الآراء!
وبالتحديد، أثارت تنبؤات جالتونج الذي توصل إليها نتيجة زيارات ودراسات ومؤشرات، جدلا واسعا وأضواء إعلامية كبيرة. فقد توقع سقوط الإمبراطورية في 2025 ثم قام فيما بعد بتعديل التاريخ إلى 2020. ويتوقع أن ارتفاع صوت الفاشية في الخطاب السياسي هو إعلان بدء عملية الانكماش والسقوط. ويشير كذلك إلى أن من دلائل الدخول في عملية السقوط ارتفاع الأصوات بترحيل المهاجرين غير الشرعيين، والتغير في اتجاه الولايات المتحدة نحو حلف الناتو. ومن أسباب سقوط الإمبراطورية انغماسها في حروب كثيرة، نتيجة ثقافة العنف المغروسة في النفوس والشهية لمزيد من السيطرة، وارتفاع البطالة التي تفاقمت بعد جائحة كورونا، وقبل ذلك التحول من الإنتاج إلى الاستهلاك بداية من الربع الأخير من القرن الميلادي المنصرم.
هناك من يعارض هذه التوقعات استنادا إلى ما لدى الولايات المتحدة من مصادر متعددة للقوة الاقتصادية والعسكرية، ومنها القوة الناعمة متمثلة بالجامعات المتميزة في البحث والابتكار، وكذلك السيطرة على الثقافة العالمية من خلال وسائل الإعلام والإنتاج الفني، إضافة إلى لغتها العالمية (اللغة الإنجليزية)، إلى جانب امتلاكها لأقوى جيش في العالم، علاوة على تنوع مواردها الطبيعية التي تفوق معظم الدول. ولكن على الرغم من ذلك، وعلى الرغم من تشبيه مجتمع الولايات المتحدة بالإناء الذي تنصهر فيه العرقيات والأديان Melting Pot، فإن العنصرية لا تزال في نفوس كثيرين، خاصة مع تزايد أعداد السكان من غير البيض، والتنبؤات المؤكدة بأن فئة السكان البيض من ذوي الأصول الأوروبية لن تبقى الأغلبية السكانية بحلول 2042. لذلك تواجه الولايات المتحدة تحديات متعاظمة في الوقت الحاضر، نتيجة بروز الصين كقوة اقتصادية منافسة، خاصة بعد التأثير الحاد لجائحة كورونا في الولايات المتحدة، وخروج الصين منها بأقل الأضرار.
وبناء عليه فمن المرجح أن ينكمش دور الولايات المتحدة لفترة معينة، ولكنها لن تختفي كإحدى القوى العظمى حتى مع وجود المنافسة الحادة مع الصين التي ستتركز على الاقتصاد. ومما يؤيد الانكماش ولا أقول السقوط تزايد الاضطرابات والفوضى العارمة وانتشار النهب والسلب كما يحدث في الدول النامية الفقيرة، وما يزيد الطين بلة توافر الأسلحة في أيدي الناس، وسيطرة "الأصولية" في الخطاب السياسي الأمريكي، إضافة إلى الشعور بالعظمة وعدم جاهزية الإدارة الأمريكية على استيعاب إمكانية سقوط الإمبراطورية. لذلك ستكون نتائج الانتخابات المقبلة حاسمة في تعزيز دور الولايات المتحدة العالمي أو الدخول في مرحلة الانكماش وبروز أقطاب منافسة! ولكن السؤال هل سيستطيع المرشح جون بايدن تغيير مجريات الأحداث في حال فوزه في الانتخابات؟! وأخيرا، لا بد من أخذ العبرة بأن السياسات الاجتماعية والاقتصادية وكذلك السياسية التي تتبناها الولايات المتحدة في الوقت الحاضر، التي قادت إلى هذا الوضع، لا ينبغي أن تكون قدوة يمكن تطبيقها والاستفادة منها من قبل الدول الأخرى دون حذر!

إنشرها